٣٠ يونيو وعزلة المثقف

30/7/2018 | جرنال

قبل خمس سنين من هذا الصيف، في بداية يونيو 2013، وبعد عامين ونصف من سقوط حسني مبارك في فبراير 2011، احتل عدد كبير من الكتاب والفنانين مكتب وزير الثقافة المصري في الزمالك، أكثر أحياء القاهرةشياكة“، حيث أقاموا ما يشبه مهرجان شارع شاركت فيه وزيرة الثقافة الحالية لاعبة الفلوت إيناس عبد الدايم بالعزف على مسرح مكشوف.
كان الغضب والقلق من تمدد سلطة الإخوان المسلمين بعد انتخاب مرشحهم محمد مرسي رئيسا للجمهورية يوم 30 يونيو 2012 قد بلغ أوجه داخل أجهزة الدولة وخارجها. وللحظة بدا أن النخبة الثقافية المعروفة بعزلتها واختلافها تعبر عن عامة الناس. فكلاهما يرفضالتجارة بالدينومنح الغلاة نفوذا، وكلاهما يذود عن المجتمع ضد سلطة دخيلة.
وصلت حملات التطهير إلى وزارة الثقافة حين عُيّن علاء عبد العزيز وزيرا، وهو شخصية هامشية ومحملة بالحقد على من سماهمالشلة الثقافية المصرية“. فسارع بإقالة عدد من القياداتالتاريخيةللوزارة، بينهم عبد الدايم رئيسة دار الأوبرا وقتذاك، في ما بدا كخطة لـ“أخونةالمؤسسة الثقافية.
كان مطلباعتصام المثقفينهو إقالة عبد العزيز وإعادة أساطين الوزارة إلى مناصبهم، ما لم تستجب له حكومة هشام قنديل على أي نحو. ورغم أن موالين للإخوان داهموا موقع الاعتصام يوم 11 يونيو، لم ينفضّ المولد إلا بانضمام المثقفين إلى التظاهرات الضخمة التي اندلعت يوم 30، ذكرى تولي مرسي، فمهّدت لعزله وبدء مرحلة انتقالية جديدة يوم 3 يوليو.
عُزِل مرسي بقرار عسكري أيدته مؤسسات الدولة و”القوى الثوريةعلى حد سواء، حتى أن الخصمين الأبرز في الحراك السياسي منذ 2011، النشطاء والشرطة، باتا يتعانقان على رؤوس الأشهاد. ولا شك أن أجهزة الدولة حرضت على التظاهر وأمّنته بل ودفعتالحراك الثوريباتجاهه دفعا. لكن الأغلبية المنحازة للإسلام السياسي في صندوق الاقتراع بدت منحازة ضده على الأسفلت، ونجحت الظروف أوالدولة العميقةفي إبراز وجاهة الانحياز الثاني.
قيل وقتئذ إن اعتصام المثقفين كانالشرارةالتي أشعلتثورة 30 يونيو“. وبدا ذلك صحيحا ليس لأهمية الاعتصام ولكن لأن المثقفين يمثلون الدولة والثورة في آن، فهم حلفاء الدولة في مواجهة الحكم الديني وخصماءها في مواجهة الحكم العسكري. لكن خلاف الأشعار والأغاني والهتافات التي غطت سماء الزمالك قرابة شهر، لا يطرحون أي تصور لتجاوز خيارين أحلاهما علقم.
بدا الاحتفاء بالمثقفين مقبولا أيضا لأن الخطابالسلفيخلال عام من حكم مرسي أثبت مقولتهم الأثيرة إن الإسلاميين همأعداء الفن“. ورغم أنها تعكس دور الإسلام السياسي في منع الكتب وإغلاق المحافل والتحريض على المبدعين على مدى عقود فعلا، لم يعتنق المجتمع الواسع تلك المقولة حتى ظهر على الشاشات من يذم أم كلثوم ونجيب محفوظ بل وينادي بهدم أبي الهول، وبدا أن السلطة الحاكمة تباركه.
هكذا نجح المثقفون في مصالحة الثورة والدولة. لكن سرعان ما أفضت المشاهد الاحتفالية إلى أجواء شوفينية وإجراءات قمعية. وفيما كان الحديث مستمرا عن قيم التعدد والتسامح، ظهر موظفو وزارة التعليم وهم يحرقون الكتب في أفنية المدارس تعبيرا عن رفضهم للإرهاب!
ربما لأول مرة منذ 2011، تبدت هشاشة الطرح الذي يخجل من كلمةعلمانيولا يتورع عن تقديس حاملي السلاح. وبدا المثقفون كممثلين لـ”القوى المدنيةفي كامل ميوعتهم. إنهم منبطحون للجيش بصفتهم وطنيين وللإسلام السياسي بصفتهم من الشعبالمتدين“، ليس لهم على الواقع حجة إلا مزيد من الهتافات والأغاني والأشعار متى سمح الأمن بإقامة مهرجان شارع جديد.
في مثل هذه الأيام من سنة 2013، كانت المرحلة الانتقالية على وشك التحول إلى كابوس من الدماء والتفجيرات. أظن النخبة الثقافية أفاقت من وهم دورها المؤثر في غضون ذلك. لكن فيما ارتد بعض المثقفين عن 30 يونيو، تمسك بعض آخر براوية الزعيم المخلص. وطوال خمس سنوات، دونما تظهر بادرة أمل في تجاوز أحد استبدادين، لم يكف الطرفان عن تبادل الشتائم.


⬆️