يظهر ملاك

شعر
إلى سركون بولص (١٩٤٤-٢٠٠٧)
عنوان الكتاب مسروق من قصيدتك

الملاك
سجل لقاء: صيف ٢٠٠٩ إلى صيف ٢٠١٠
أفي مهاوٍ كهذه نطارد وجهنا الأول
ونهدهد من كناه في ذراعي من أصبحنا؟
سركون بولص

كالي
ويا نار أحشائي…”
عمر ابن الفارض
ー1ー
عند الهندوس إلهة تقيء الثعابين،
تتكلل بالرؤوس المشجوجة (زيت شعرها
عجين الأمخاخ) وتفترش القبور الجماعية
على سبيل التنزه.
يعتقدون أن لا شيء يعطّل شرها
إلا شلال دم.
لو اقتربت من هذه الإلهة،
لو دخلت دائرتها،
لو جثوت أمام الأعضاء المبتورة
العالقة بذقنها،
سوف ترى فتحة فمها أسفل عينيها،
محجري النار،
بئراً مبطنة بالسكاكين.
ورغم أنها في الأصل إلهة طيبة،
ترعى الزرع والعاشقين،
وليس هذا الرعب إلا صورتها الغاضبة
(لأن الآلهة عند الهندوس، سبحان الله،
لكل منهم أكثر من صورة،
ولكل صورة اسم)
الأفضل أن تصلي لها وهذا اسمها
ー2ー
يا سيدة التقطيع والغواية،
محتاج أن أكون الله، ولو لليلة،
محتاج أن أعيد خلق شخص واحد في هذه الدنيا
ليستقيم وجودي. وعندما أمتلك ذلك الشخص
كما تمتلكين الليل والمجاعة،
لن أكتفي بالوقوف في صف من المؤمنين
رأيته رؤى العين في نيبال
كان أكثرهم فقراء لا يملكون ثمن الكبش أو اللاما
كذبيحة تليق بامتعاضك
سيدهنون تمثالك بما تلتقطه أصابعهم
من غدران دمائها البطيئة،
ولم تخرج الضحايا التي يحملونها
عن بطة ممصوصة أو قطة نفقت في حادث سيارة،
قرد انقصم عموده الفقري إثر قفزة غير محسوبة
أو ديك أعمى يريد أن يصل إلى عرفه بمنقاره
لن أكتفي بالوقوف في صفهم
وتأمُّل الرقاب الصغيرة تنكسر بين الأصابع.
سأكون من الصفاء والتجلي
بحيث أقدّم نفسي إليك صحيحاً وكاملاً
بلا خوف أو فجيعة.
يا سيدة التقطيع والغواية،
ليصير مخي عجيناً يحفظ أطراف شعرك من التقصف،
لتكون عظامي رماحاً تنشبينها في أجساد الأبرياء،
وقلبيبونبونةفي فمك،
محتاج أن أكون الله.

المنمنمة
تحية لـ“جيل التسعيناتمن الأدباء المصريين


الضفدع الغضبان الذي أفتح منهحاوية الملفات
بنقرة لا تحَس على سطح افتراضي
يرغي ويزبد حال يلامسه السهم
السهم الصغير الذي يساير أنملتي مللي بمللي
كأن عصباً يربطهما يَشْغَل أبعاداً
أعقد من أن يدركها استيعابي الهندسي
الآن يتوارى خلف الهَبّة البرمائية
لمخلوق لا يمتد في الفضاء
ولا ترجف أطرافه بالشهوة
ليس في كونه ضفدعاً سوى خدعة منظور
ضوء وظل
ينتفش في وجهي أخضر ثائراً
فأكاد أجاوب الوعيد في عينيه
وأراك مكانه بحجم عقلة إصبع
صوتك متراكم النغمات في دبيب ذراعك
عود ثقاب يقول كل شيء
لكنني أتذكر أن الضفدع نفسه
مجردأيقونةعلىسطح المكتب
منزوعة الملمس والرائحة
ولا تستطيع أمام طاقة الدفع هذه
أن تصنع أي شيء
*
في غرفتي حين تلجّ الميكروفونات
بصلوات طويلة يسمونها التراويح
فأتذكر أنه بَعد الُمتمّ لشعبان
لا تدخين خارج البيت
ولا ملاذ من قذائف صغيرة
سيطلقها الأطفال في شارعنا
تبدو الشاشة الراجفة بإيكولوجيا الضفادع
عوضاً جديراً عن أي سطح بدونك
يمكنني أن أحفر كوعيّ في عرصاته
وإذا لكمته أشعر بالوجع
في غُرَّة رمضان يوم المغادرة
خلعت الزجاجات الخضر شاراتستلا
عن أجساد ستضجر بسوائلها
طوال ثلاثين يوماً لا يُسمح بشم الهواء
أحيتالكلكساتموكباً مهرجانياً
نكايةً بالفَسَقَة أمثالنا
لكن مراسم الاحتفال كانت أشبه
بمعركة بذيئة في حي عشوائي
جُبلتُ على الإقامة في جواره
ضاق القمر المدوّر كالفطيرة
ولم يبشّر الزجاج المهشم على العتبات
بسَكينة محتملة
أعرف أنني قبل هذا النهار
اكتملت أعضائي
وكنت صحيحاً ورائعاً
حتى أنني جرؤت على حذف بعضالملفات
معلناً بداية هولوكوست في دماغي
لشعب آخر مختار
غيرتُ ألوان القوائم وحجم الحروف
وصرخت في ضفدعي المذعور على شاشته
أن يعمرّها بمفرده لو يشاء
كانت الفرحة برتقالاً رغم أنفك
حين راق ظهري على الأريكة
ورأيت الهرم فوق كتفك بعيداً جداً
لم أجد صعوبة في إغلاق الشيش
ليتصبب ضوء الصباح من مسامه
إلا لأنني نسيت أن أفك الشنكل
الشنكل الذي أشرفتُ على تركيبه شخصياً
ليلة نصبنا سكنانا هنا للأبد
في ذكرى سيتسنّى اختراعها دون جهد
مع شاي يديك حين انقسمنا
لأول مرة في التاريخ ما بعد الاستعماري
كنتُ مضطجعاً على كنبة تخصني
وأنت zigzag ممدد عبر كرسيين
رقاقة ظننت من سمكها أنه يمكن طيها
في جيبي الخلفي
لتكون جوازي إلى هناك
مجرد رقاقة
هي كل ما أطالب به الدنيا
في الظلمة ألوانها لم تقل لي
إن الغرفة التي نؤوب من بلكونتها
خيمة غجري
*
لن أخبرك بأنني منذ التقينا
ما عاد لي صبر على ترجمة الحواديت
قرب مقهى ملتبس الهوية فيالزمالك
كان كَفي في ذراعك مغارة
لكن عددالحراميةأكثر من أربعين
وأنا لا أريد أن أكون علي بابا
ثمة أمير رافق الموت مدة
ليُخرِج له الموت من بطن الأميرة تنيناً
لم يكن قد شك في وجوده
كل هؤلاء الفقراء سيصبحون ملوكاً
شرط أن يمتثلوا لاختبارات
ليس لله نفسه القدرة على اجتيازها
لن أخبرك بأنه وكَفي في ذراعك
ثمة مَن يحلم أثناء عرس أخته
بضب أغراضه لبيت الزواج
وإلى أن أترجم حدوتة مليئة
بالسكربيناتو“الجزادين
كلساتلابد من دفسها فيالشناتي
و“كبوطمن الفرو أيضاً
خليق بمناخاتك الباردة
سيكون علي أن أتململ أمام الشاشة
لتظهري وحيدة بحجم عقلة إصبع
خطواتك السريعة المثابرة
ووجهك الواشي بجدية المعلمات
لحظة ينفك سحر العجوز القبيح جداً
فيصير شاطراً ليس في حسنه وجماله
يصبح بريق عيني طفلة
تعيد اكتشاف المشي في الممر
قدماها الحافيتان قطرة
في بحر فردتي حذاء
الحواديت تتكرر
وثمة دائرة كالكون
قطرها إنسان عين يتسع في الشتاء
*
وأنت أول الأمر جلد على عظم
لم يكن لقماش فستانك نفس النعومة
لعلني انتظرت ملمساً مغايراً
ما كدت أقنع أن هذا العضو متناهي الوداعة
الأطرى من فُلة وليس أكبر كثيراً
خرج من طياته طفلان
وإلى أن شعرت به يستميت
ممعناً في عصيان أمرك بالانتظار
دونما يبتعد خجلك عن قوائم السرير
ولا حاجتك هذه التي تميتني
إلى إرادة فوق إرادتك
ثم يغلبك آخر الأمر مخلّفاً عقصة هزيمة
تليق بوجهك الموسيقي
كنت حائراً في تأويل النشيج
وضربات قبضاتك على كتفي
ضوء بلا ظل يلمّنا
ذكرني بأسطح المنمنمات
الغائص سحرها في الحزن
ولم أرد شيئاً سوى أن أظل مشتاقاً إلينا
أنا وأنت
في الظلمة هذه
يوم نزفت يداي على قماش الفستان
*
الآن مع ضفدعي جلوت الحاوية
عن الطعام المتاح من صور أو نصوص
بالكاد تقيم أود القبائل المشردة وراءنا
مثل رُحّل ما بعد حداثيين ينقّبون في الصحارى
عن ينابيع لا تظل شخصية حتى النهاية
يستدعي طريقنا خطوط الأغاني (أو دروب الأحلام)
أقصد المسارات الموسمية التي يتبعها السكان الأصليون
للقارة الأسترالية
مغنين مثلنا بلغات نصف حية
هكذا مع ضفدعي اعتدت أن أقود جحافل
تتكاثر باطراد ولا تشبع أبداً
دونما تعرف دائماً أي بقعة منالقرص الصلب
يجب أن تُغير عليها
حريصيَن على رصد معدلات الآبار
ودرجة انحدار الأرض
أن الشَمَال في خرائط الإدريسي أسفل البوصلة
أن الوجه المخبّأ في المنمنمات هو النبي
أن الهلال أصلاً راية سبأية
مؤونة القبائل وحسرة فراقك
كأن الضفدع في ضلوعي يحتضر
كأن حية في السهوب لا تسعى على ترقوة
مبذورة بالشامات
*
لكي أغيّر جواً يغص بالنقيق (هذا المستنقع الآسن)
أجرجر جعبتي على سلالم عمارتنا بعد الإفطار
متناسياً أن للدفتر الأحمر المائل على جدارها
حجم أسودك وماركته
وقبل أن تطوقني كتيبة الانتحاريين
بالرشّاشات البلاستك و“البُنْبالعنقودي
أخط طريقي إلى الجراج على رصيف مكدس
يشبه صالون البدروم المطل عليه
ناوياً أنأفوّلفي أول محطة
وأشد الحزام على صوتعدوية
لعل إنجليزيتك التي يذوبني نطقها تستوطن أذني
في الشوارع الدامسةللمعادي
لعل في انعكاسات الفتارين
طيف مخلوق برمائي أنا قابلتُه تائهاً
وما كدنا نتعارف حتى صرنا صديقين
هناك بالقرب من عمودك الفقري
(ما كان يصح أن يجول بخاطرك أنني لم أنتبه له)
الحبيبات أسماك أو طيور
إما يُمِتنني غرقاً أو يوسّعن رئتي
والآن تحت ماء بركة أتدلى من حافتها
كيف يمكنني التنفس بهذه البساطة
أنت خرافية الجمال بالتأكيد
وإن رأى الناس في بلادنا غير ذلك
أنت الشيء الذي يبصره البدناء غليظو الملامح
حين يتأملون الشروق على الشاطئ
وقد باعوا أرواحهم لشيطان الأمل
*
هسسست الآن واسمعيني
برواز الضحية الذي يثير غثيانك
ليس سوىشباك دردشةجنب ضفدع غضبان
بك أو بدونك يفضي إلى أمنيات
الملهمات مَن نستمني على أشباحهن
ولا شيء في الدنيا أقبح
من فريسة لا تحتفل باصطيادها
الملهمات مثل مصاصي الدم يبتن في التوابيت
لكن العشق أنسب موضوع للكتابة
وليس أروحللكيبوردمن غرام مؤجل
لأن الأثير رمادي بما يناسب
خمسة عشر عاماً من الاحتياج
الملهمات يمُتن مقدماً وأنت ستُقتلين
بدم بارد تحت ناموسية هفهافة
كان لابد أن تتوقي للصفع والسوقية
للإهانة المبللة بالحليب
كان لابد من سلخ هذا الجلد
وسبر ماورائه بسكين المطبخ
وصولاً إلى كلية أعصرها
لأنتزع شهقة الولاء المطلق
في تمثيل أوبرالي لامتلاكك
أنت كلك على بعضك هكذا لست إلا
وبيدين داميتين وأسنان قادرة
على قضم أطراف شعرك المعرضة للتقصف
وإيداعها مخازن لا تشبع من عظامك
بيدين ليس أحن منهما خلف المحيط
وسط رشاش أحمر وأسود وoff white
وعرق لا يرد عشقَه هوسُ الإزالة
أثبّت انفلاتك في نقطة واحدة
لأسحبك من أذن لا يجب أن يضيرك
أن طرفها مدى العمر طابع بريد
كان لابد من كل هذه الأشياء
لأعرف في عينيك ذهول المهاجرين
وأسمع في بعض ضحكاتك فقط
مرارة ما ادخرتِه من موت
أسكّن أوجاع ضرس حالم بالانخلاع
في غنائك
وأمارس أبوة حُرمتُها مرتين
ممزوجة بالشبق المباح
على التواءة وركين لهما ما لبطن الرضيع
من أمومة
لماذا كان لابد أن تروحي أيضاً
لأعود بعد هذا إلى ضفدعي الغضبان
أغريه بقوالب سكر رومانتيكي
لم تكن لتذوب في لعابك
أو بسحبة أنملة تستبطن الحنين
عليه أن يجد معي وسط شتات الجحافل
فتاة أسقطت السماد عن ظهر حمارها
هسسست اسكتي ولا كلمة
فتاة بوجه سارح علىزراعيةكالميناء
هرعت تاركة حملها الثمين حين انتصب الحمار
فأدركت أن في الدنيا أعضاء جنسية
وتعلمت أن تخبئ حياءها في الكتابة
وحده خوفها تلبّس خرائط
مازلت أحبو إلى مكاني في خطوطها
ألفة تراكيبك المحببة في كلام الآخرين
شيء بدل لا شيء
لكنها لا تشبه احتضانك
ومن تصرخ أبسط الألفاظ من فمه الدقيق
بأنه جاء من حيث جاء أبي
عليه فعلاً أن يكون لي
أطمئن نفسي بأن كل هؤلاء الصاخبين حولك
ليسوا سوى التطور الانتقائي للسماد ذاته
السماد الذي جلست بجانبه تبكين
ولم يجئ سواي عبر غيط أراه فوسفورياً
ليشد من أزرك بتقبيل يدك
هسسست أرجوك اسمعيني
الألم ليس شرطاً معرفياً ليس مشداً لأوتار الوعي
الألم فقط ضرورة تقنية
لتلاصقنا الآن عبر قارتين
كان لابد أن نتألم كلانا
لكي أصبح بطلاً مجنحاً بالـ Cipralex
وتصبحي امرأة ناضجة وعملية
تلفظها المقاهي في السادسة صباحاً
*
أحلم الآن أن ينام الضفدع
وأنا أطوي الشاشة حتى النهاية
فأشد الغطاء على كمبيوتر نعسان
وإلى أن أحصل على منمنمة بديعة
من شاهنامة ضائعة
أنظر إليها وأندهش مثل راشد صديقي
في نهاية الركعة الأخيرة من صلاة الجماعة
حين يسأل
على من يسلّم كل هؤلاء
فأخالنا أنا وأنت من شخوصها
رماة السهام والسلاطين
العشاق المطهمون مع ندمائهم
حصان باهر يطارد سحابة
طافياً في نقوش كأنها السجاجيد
داخل برواز لا يدّعي الاستقامة
ألوانه بقع من بشرتينا
ومن حولنا ذبذبات الخط الفارسي
مرتبكة الاتجاهات
فقط حياة لا يستبد بها المنظور
هي كهرباء الحركة الثابتة في المسافة
كأننا نقوش أصابتها طفرة جينية
فهجرنا أندادنا المتشبثين بالسطوح
وقبِلنا بدكنة الألوان في مكان آخر
المهم أن نتذكر
أن وجودنا لا يعتمد على التظليل
ولن يُنقص من شأننا أبداً
أننا ثنائيا الأبعاد

أخطاء الملاك

نصف الليل في دار النشر
إلى ياسر عبد اللطيف
كأنك كنت هنا بالأمسسوى أن الناشر
رفيق سلاحك في معارك الود المجاني
خيال منتَهَك لذكرى آخِر لقاء.
ترحابه هواء ملوّث وأنت تستنشق بحذر،
تسترجع الجبهاتولماذا، وقت القتال،
كنتَ أول الهاربين؟ الكلام كما عهدته
لن يأتي على ذكر الأدب، ما يجب أن يدهشك
في دار نشر. لكنك لا تنتبه لغير علامات الدائرة
التي أصبحتَ داخل حدودها تلقائياً،
كأنك جُبلتَ على التحول إلى شخص ليس أنت.
يوماً ما كان لابد أن تكون واحداً من هؤلاء
لكي تجلس الآن على كنبة ضيقة،
وأمام وجهك على الحائط صورة حضرتَ التقاطها
وأنت عاشق يركض ببراءة بين العدسات
لكاتب ستكف عن حبه قبل أن يموت
يا منافق! عشتَ لتقول لك امرأة موهوبة
عن نظرة تتبادلها مع هؤلاء: “كياني!”
وربما لا لشيء إلا لترجع إلى هنا،
بقيتَ على الأرض عدداً كافياً من السنين.

غريزة البقاء
إلى مصطفى ذكري
بين سعلة وأخرى فكر فعلاً أن يموت،
ضيق النفس تعبير مناسب عن الشوق على كل حال. حيث الغرفة والشارع والمدينة، هذه الدنيا التي يرتديها كبدلة موظف مكره على الذهاب إلى العمل في الصباح، ليست سوى تمهيد لشيء يشبه الحلمة الناقصة. وآلمه أن الثأر بأي طريقة أخرى يستوجب الانتظار.
هكذا تعلم أن يستمرئ سعال السجاير عوضاً عن موته من ناحية، ومن ناحية أخرى عن العض والخنق وغرس الأصابع في ثدي صغير يعيد اكتشاف مكانته منذ التقاه: أن العبرة ليست بالحجم. ثدي مؤدب أمامه متسع من الوقت ليتعلم البذاءة، ويتأكد على طريقته من أن حلمته فعلاً هنا مكانها. لعله بعد معركة استقلال دامية، ذلك الثدي، أدرك أنه يحب الاستعمار.
سيستمرئ سعال السجاير تعبيراً عن شوقه أو استهانة بالدنيا. لكنه لن يموت الآن.

أكلة لحوم البشر
ذَكَري على الأرض بين قدميها.
بعد يومين — تقول لي، راجية أن لا ألفت إليه انتباه الخادمة — ستكون الخادمة نفسها هنا من جديد. لا، لا، لن تكنس ذكرك. فقط لا يجب أن تراه.
فجأة يخرج عِرق نافر من جانب ذكري. كدودة مستميتة يشب على كعبها. يحاول أن يتسلق ساقها.
سيكون هناك أطفال — تُواصِل، وأنا أحاول أن لا أنظر إليه — وزوج هو أبوهم، وأب صار جداً فخوراً، لم لا؟
وكعادة البيت الذي لا أحسني غريباً عليه رغم كل شيء — فكرت — ستصخب الأركان بأشخاص أفهمتني أنهم أصدقاؤها. أنهم بريئون وضروريون. ومثل إخوتها المدعوين إلى وليمة بدأت الخادمة في تجهيزها، لن يدوسوا على ذَكَري. فقط لا يجب أن يروه.
لكنني رغماً عني أرى العِرق النافر. كدودة مصممة على الحياة، يتشبث بالكعب. ببطء مميت يحاول أن يتسلق ساقها.

غانا
لم يخبرني الرفاق أنهم مسافرون إلى غانا حتى تناولوا التطعيمات اللازمة في مركز المصل واللقاح، الأمر الذي أكّد لي أنني بالفعل لا يمكن أن أذهب معهم.
ورغم توقي إلى منظر الأشجار على ساحل الذهب، لم يحزني أنني لن أسافر بقدر ما أحزنني قرارهم، مع أنهم ينفون أنه قرار، بالذات لكون رفقتهم هي الشيء الذي يعرّفني مَن أنا.
هؤلاء الذين يشبهونني ولا يشبهونني، يوجع غيابهم لأنهم هم محتاجون لي.
حين لمحت دماءهم عالقة بجلدي كنت أفكر بأنهم أولاد قحاب لا يجب أن يكونوا رفاقي، وتذكرت أنني أسكنهم وأنهم شبابيك.
شبابيك ولا جدار، ولا بيت. لا بيت داخل البيت.
الآن علي أن أعاقبهم أو أخونهم. لا فائدة من الغفران لأنني لن أكون الله. وقد أكون شخصاً آخر عندما يعودون.
تلقّيت الخبر على أنه خبر فحسب، وجلست أتخيل الأشجار وأفكر: أنا الآخر سأسافر إلى غانا ذات يوم، ولا ضير في الذهاب منفرداً إلى مركز المصل واللقاح.

كتابنا
يوم حلمتَ باسمينا متجاورين على غلاف واحد قلتَ لي إن هذا غير مسبوق في ثقافتنا وإنه، فضلاً عن كونه أَقيَم من الحب، حلٌّ لوضعنا المستحيل. ولأن خيالك لم يتسع لاحتمال أن يصبح الوضع ممكناً فيما ظللتَ تعصر ليمونتك في حلقيإلى آخر قطرة، جعلتَكتابناحجةَ تَجَاوُر ربما كان أفضل لك أن يبقى هو الآخر حلماً. ذات يوم أغضبك فصل أنا كتبتُه لكنك لم تَردّ عليه بفصل كما اتفقنا. أنا كنتُ قد صدّقتُ أن غير المسبوق هذا الذي أقدمنا عليه، حل وضعنا، بالفعل أصلب من ليمونة جفّت وتجعدت ولم يبق إلا أن تُلقَى في سلة المهملات. ولأنني منذ ذلك الحين تذكرتُ لحظةً مرت، وأنا أسمعك، أيقنتُ فيها أنك رغم كل ما تقوله لا تتكلم — لم تتكلم، لا تستطيع الكلام — قلتُ لنفسي إنثقافتنا“، مثلاً، مجرد صوت بلا معنى يخرج من فمك. وعرفتُ: لا شيء عندك قيّم في الحقيقة، لا الحب ولا الغلاف. لحظة واحدة مرت، لكنني سأتذكرها. لهذا فقط — ربما — لم أنبس، لم أحدّثك عن خيبة الرجاء. واكتفيتُ بإزاحة المشروع عنسطح المكتبمؤقتاً بانتظار فصول كان يتأكد لي أنها لن تُكتب من كتابنا. مع أنني يا أخي كنتُ مستعداً لإعادة صياغة أي شيء. لو أنك فقط تكلمت. لكنك فضّلت الخرس والتذاكي. وأنا حذفتُفايلاتالكتاب.

الملاك (وجه المثقف)
أراك تمسك هذا الكتاب كأنه لم يعبر إلى يديك قارةً ومحيطاً على حساب عاشق آخر بليد يعمل تحت مسمى الصداقة في خدمتك. تقلّب الصفحات وأنت تسحب فوق رأسك، مثلبالاكلافاأو نقاب، وجه المثقف: ربيب المكتبات وصديق الأساتذة، المهم حضوره حيث يحضر المهمون. وقبل أن تبحث في الكلام عن دليل على أنه ليس من تأليف كاتب كبير، قبل أن تعيّن الثغرات وترى أصداءك أو أصداء غيرك في عبارات تحسها مسروقة ومستهلكة، أراها على وجهك، هي نفسها: الفرحة التي استمرأتها منذ ابتدأت، بأن شخصاً — الموجود، ربما أحسن الموجودين — وقع في حبك بما يكفي ليستلهمك. وأرى الرفض ذاتَه يخالطها في البراري الضيقة حول عينين ليس سواهما خلف القماش: أنت لست ملهِماً، لا. لا تريد أن تكون مملوكاً لشخص. حتى قراءتك الآن مدفوعة فقط بالفضول. كل ما في الأمر أن صوتاً آخر قرر أن يبروز لك صورة منزوعة عن حقيقتكصورة هم، من ورائها، الرابحون؟ — في هذه اللحظة، وقبل أن تجيب عن سؤالك، قبل أن يسأل أحد من يكونون هم هؤلاء وقبل أن تضم الكتاب إلى غنائم روّضت نفسك على احتقارها عبر السنين، وتعود دونما تدري تستفز أو تستجدي كاتباً لن يكون كبيراً للقتال في معركة امتلاكك، تلك التي لا تخرج منها أبداً خاسراً، لتترك خلف ظهرك قواداً آخر أو عدواً كنت تفضّل أن يكون قواداً — اسمع: بالنسبة لهذا الكاتب، أنت لست سوى جسد لم يرد أن يُقاوِم شهوة عبوديته. هو كتب لأنه كان رباً قادراً ذات يوم، ولأنه أحبك بعد أن رأى عبر الزجاج كل الحبال الذائبة التي تربط أجولة زبالتك. أما الذي أنجزتَه والكتّاب الكبار والعشاق البلداء ووجهك هذا، أنت كلك على بعضك بكل أهميتك: بالنسبة لهذا الكاتب، كل هذا ليس أكثر منبارفامكان يحجب عنه رائحتك، أو حكاية فتاة فقيرة تركت حبيبها لتتزوج من ثري عربي.

الملاك (إله الذي كفر)
سألتَني ماذا أريد أن أكون في عينيك
قلتُ الله
لبعض الوقت أنعمتُ عليك وعاقبتُك
فهل كنتَ تهرب من حسرتي حين لم تخبرني
بأن لك رباً ديّوثاً يمنّ عليك هذا الوقت
كيف لم تقبل بختمي على قورتك
إذا ما كنتَ مصمماً على العبادة
وهل ظننتَ خلقك هيناً إلى هذا الحد
يا ابن الغانية
لماذا تركتني أحرث وأنت ستحرق الغيطان؟

الملاك (صورتك)
نم الآن وكأنك لم تسكن عمرك بروازاً،
كأن يديك لم تبروِزا حتى هذه الصورة؛
كأنهما لم تنسّقا قصاصات تطفو
على شبر مياه أنت جعلتَه المحيط.
لا رجلك العرجاء وسط العدائين،
ولا أسنانك المغروسة في كتف يحملك.
ولا ضحية طبعاً: لم تكن عمرك ضحية.
نم وأنت تحتقر من تسميهم متماسكين
وتظن قدميك على سكة حفرتَها.
لا تسأل لحظة عن حفنة تراب
اعتدتَ أن تقذفها في وجه من يسائلك
متعجباً من السباب كم إنه رخيص.
انس أن هواءك ليس لك، أنك تتنفس
بجيش من مضخّات الهواء، وأنك
كالمستثمرين: لا خطوة غير محسوبة.
أنت وَحشٌ في قوتك؛ الطلب عليك
أندادك فعلاً حاقدون. أنت رائع بالمآسي،
وحضورك ريادي على سائر الشاشات.
نم واحتضن كالوسادة الطرية يقيناً
بأنك العبقري وحدك في مجتمع المتخلفين.
لا تلتفت إلى برواز وضعته حول صورتك
ولا إلى أنك رأيتها يوماً قبيحة. نم ولا تلتفت
إلى أن صورتك كانت قبيحة، قبيحة
بما يكفي — بعد أن بروزتها — لتحرقها.

السيرك
شخص ما سيعلّمني كيف أجعل كرهك محبة، ويذكّرني بأن ما دفعنا على التقليب في براميل الحياة فرحتنا أو أنني مخطئ بنفس القدر. وحتى مضارب اللوعة والمَسبّات التي أنستني لحظة التلاقي، ستحفر سكّة إلى غفران ربما لا يناسبكَ لكنه كلُ شيء. يا من تحوّطك البهلوانات في سيرك نصبتَه بيديك: أنا صفوتُ حين كففتُ عن سماع صوتك؛ صرت أرجو لك الخير. ولعله يصلك وأنت تتنصل للأذى أو تناضل، رجائي. وحين تعوي وحدتُك وسط جلبة القرود والكلاب ذات الفرو المنمق، تَرَى كيف صرتُ أسكن إليك: بلا أي رغبة أو إرادة، بلا إشارة إلى أنك هناك أو أننا كنا معاً والتأمنا أو حلمنا بإفراغ البراميل في المحيط وأنت باختيارك انتهيت. يا من تجلس وحيداً ومقتنعاً بعد جولة أخرى أمامبلياتشويقودك بأنك انتصرت، تعتصم ضد كل أكروبات فضائي وتحرّض النمور على العصيان، وأنت تدس منشورات ثورتك الخرافية في خرطوم فيل بارك في الممر، وباسم الممكن الذي لا يمكن تُضرِب عن الطعام، أنت: شخص ما سيعلّمني كيف أرجو لك الخير.

أخطاء الملاك†
ماذا ظننتَه سيفعل بعد كل هذا الوقت، الملاك الذي ظهر لك وانتظر أن تتبعهكيف لم تقدّر عمق ألمه السماوي وأنت تبتعد عن الجبل الملعون كل يوم خطوة، تجرجر حقائبك المثقلة بلحمه على ساعات تجري إلى ما لا نهاية بين ساقيه، وتهزأ إذا ما نهاك تليفونياً عن الكبرياء؟ الآن وقد أصبح الملاك بُخاراً، كسبتَ ما أراد أن يضيّعه عليك. لكنْ ما الذي فضّلتَه على الخسارة؟ قرية هجرتْها نساؤها؟ خادم يسرق من البيت؟ نجمة مدارها عقد سيصدأ حول رقبتك؟ لعلك ظننته يظهر من جديد، أو نسيت أن في بطنه دَمَك. يا كافرْ، كيف ستحلّق الآن؟


عن قصيدة سركون بولص من ديوانحامل الفانوس في ليل الذئاب”:
يظهر ملاك إذا تبعتَه خسرت كل شيء، إلا إذا تبعته حتى النهايةحتى تلاقيه في كل طريق متلفعاً بأسماله المنسوجة من الأخطاء، يجثم الموت على كتفه مثل عُقاب غير عادي تنقاد فرائسه إليه محمولة على نهر من الساعات، في جبل نهاك عن صعوده كل من لاقيته، في جبل ذهبت تريد ارتقاءه! لكنك صحوت من نومك العميق في سفح من سفوحه، وكم أدهشك أنك ثانية عدت إلى وليمة الدنيا بمزيد من الشهية: الألم أعمق، لكن التحليق أعلى.

عيد ميلاد
Happy to be martyred for folly
I invoked you, bribing Fate to produce you.
Were you conjuring me? I had no idea
How I was becoming necessary…
ー Ted Hughes, Birthday Letters
*
سعيداً بالاستشهاد في سبيل الحماقة
استدعيتُك، رشوت القدر ليَخرج بك.
هل كنتِ تحضّرينني؟ ليس لدي فكرة
كيف كنتُ أصبح ضرورياً
تيد هيوز،رسائل عيد ميلاد
قالت ماما: كدتَ تصبح كهلاً ولازلتَ تطارد التنانير، أم أنهن يلبسنالجينز المحزّق“؟
قالت ماما: زوجة صالحة، لكي يمكنني أن أتبختر إلى القبر.
قالت ماما: حين تموت، مَن سيكفّنك؟
يا ولد — قالت — ماذا دهى عينيك تلمعان (وهي ملاحظة أبدتْها صديقته بما يكفي لنفي أي علاقة شَرطيّة بين لمعان العينين وهيام صاحبهما حين يحدث).
ماما لا تعلم أن الولد له عام يقاتل، ولا أن القذائف تطورت بأشكال محيّرة.
كيف تختلف آثار الحرب البيولوجية عن أعراض الوباء؟ الجنود قتلة دائماً لكن هل نعدّهم مرضى حين يسكن الفيروس في خزائن سلاحهم؟ والذين يموتون بالعدوى هل هم أيضاً شهداء؟ أي طهارة في عمل حانوتي يُغَسِّل جسد محارب موبوء؟
أكثر من مرة شرح لها أن السلاح البيولوجي أسوأ حتى من النووي، لأنك حين تنتصر بقوة المرض تصبح مريضاً، لسنين بعد وقف إطلاق النار تظل تهذي: مَن يُخرِج الآنثراكس من رئتي! لكنها لم تقترب يوماً من أي جبهة وما كانت لتفهم معنى القتال.
حين أَخبَرَها بأمر الصديقة، قالت ماما: يبدو أنك بحاجة إلى علاج.
***
وهل لأنك هذا الولد باغتك صباح هو فضلة الليلة التي انتصفت بعام آخر من عمرك؟ هل كنتَ هو بينما تلعق أورجازمات حبيبتك مثلعريسينفخ الشمع على كعكة عيد ميلاده؟ لاعق أورجازمات الحفل أم ولدٌ لن يجد مَن يكفّنه حين يموت؟
وقبل أن يصطفق باب غرفة نومها، مَن منكما أردى الحبيبة جثةً على السرير؟
يومَها كانت جائزتك وجهاً تورّد فجأة في النور: لحظة تساوي أربعة وثلاثين عاماً؛ وبينما أنت غائص في كهولتك المبكّرة، بينما ترجف بفجيعتك في العينين والشفتين، سيمر وقت تستعيد خلاله الأعوام نفسها كمن يقلّب هداياه بعد ذهاب المعازيم.
لكن لماذا لا تسمح لك الحبيبة بدفنها؟
في حدائق ثنائية الأبعاد تحت أرضية عنابر هي فضّلتْ أن تموت على أن تغادرها لخاطرك، لماذا لا تزال تستجدي حضورك وتنقّب جلدها المسمط عن كسور تمرّر منها لعابك المسموم؟
كرة الهواء التي أقمتَها محلّاً لالتئامكما، لماذا الآن تصبو إلى لقائك فيها (وبمنطق التملص ذاته، منطق الزيارة الخاطفة)؟ أليست هي التي ماتت لأن المحل كرة هواء؟
ولو أن القبور بيوت الموتى، لماذا تصمّم على البقاء متشردة؟
بالفعل أدهشكَ ارتياح جثمانها للعراء، لدرجة أنك تشكّكتَ في جدوى مهمة الدفن التي أدّيتَها مرة بعد مرة بكفاءة باهرة: ربما لم تُغَسِّل قبلها إلا جثثاً كففتَ عن التعرف على وجوهها قبل أن تموت؛ ربما ليس عمل الحانوتية في إهالة التراب وإنما في طمس ملامح الوجوه.
وبعد أن شاهد المسرحيات الكوميدية القديمة مسجّلةً حتى حفظها عن ظهر قلب، قرأ الولد الوحيد رواية بالإنجليزية لمصري لا يعرف كيف يكتب بلغة سواها.
كان البطل محشوراً بين سلّمتين، لا يمكن أن يبدّي السلّمة الأعلى على التي تحتها أو يتخطاهما في أي اتجاه؛ وهناك امرأة متزوجة أكبر منه، محور الحكاية، ليس واضحاً إن كان يحبها لشخصها أم لأنها المأساة المناسبة من مكانه.
هكذا قبل أن يأنس لمجالس الحشيش، عرف الولد الوحيد أنه مدى العمر في مكان مماثل؛ تأكد أن المرأة، لكي يحبها وإن كانت متزوجة وأكبر، لابد أن تكون مأساة؛ ولسنين حتى يحنّ إلى نكت الطفولة، سيكف عن الضحك على المسرحيات.
عشرون عاماً منذ أغواني الكتاب مدعَّماً بانتحار كاتبه، ولازالراميسألإيدنافي رأسي ماذا يجعل نساء اليهود يقطّعن شعورهن ويلطّخن وجوههن في المآتم.
حبكة درامية أعيشها مرة بعد مرة منذ تابعتُه ينقسم إلى شخصين أحدهما يُخرج لسانه للآخر، وبسذاجة مراهق صدّقتُ أن الناس يمكن أن تضحّي بحياتها لكي تكتب روايةلماذا الآن ليس سوى الأغاني العاطفية، وفي المسرحيات القديمة لا يطمئنني صوتعادل إمام“؟
رسالة نصية قصيرة إلى صديق مغترب: مستحيل أن تجد شخصاً تعيش من أجله، المشكل أنه مضجر أن تعيش من أجل أشياء.
ربما ليس فعلاً سوى هذا المكان، حيث الحياة قصة حياة والحب مجاز مناسب للكتابة؛ تلك الأمثولة التي تقضي بفساد العيش لصالح عدوى مصنّعة كالذخيرة، عدوى ستنتقل إلى آخرين بانتحار مخترعها، ربما ليس سواها بعد أن يغيّرنا كتاب.
***
وفيما يُقاليلّا حالاً بالاًيتحول الحانوتي إلى حصان مجنّح والمرأة المهووسة إلى بنت ملك ذيل فستانها مطرز بالجواهر؛ وفي الطريق إلى المطار حيث نراه يحملها فوق ظهره مرفرفاً وسط الانفجارات وتبادل إطلاق النار، أغنية عيد ميلاده صهيل.
جسد واحد خرافي بحذاء القمر والمدينة حفنة حرائق بحجم الكف؛ على خلفية زرقتها تراوح سواداً عميقاً رغم الفضة المشعة من ورائها، جسد صحيح ورائع لا تحكمه الجاذبية ولا يفرّق الناظر إليه بين الجناحين والذيل الطويل:
هكذا يجب أن نراهما؛ وإلى أن نعود نسأل عن بديهيات من قبيل أننا بشر نستعمل الورق والبخار وأكثر الوقت نخبّئ أعضاءنا الجنسية، لا يجب أن نصر علىحيوا أبو الفصاد”!
لكنك تحار أين تخبّئ بقية أعضائك وهي تلملم حقائبها الزائدة عن الحاجة لتضعها واحدة وراء الأخرى على السير ثم تسترد جواز سفرها باكيةً وتتردد قليلاً بينما الموظف يناولها الـ boarding pass؛ ولو أن الملك تقاعس عن عقابها بعد أن عرّضت مملكته للسقوط، أي قتال غير مشاهدتها تجرجر متاعها عبر صالة الإقلاع؟
أميرتك فلاحة مبهورة لا تشبع من المشي وحدها ولا يصاحبها إلا الفتيان في المحافل؛ إلى متى تضطر لتطبيق جناحيك وراء ظهرك وأنت تتسحّب خلفها تنتظر وثبتها على كتفيك بأمل متخثّر وتغالب شعوراً كريهاً بأنها أرخص من أن تطير؟
قالت الأميرة: لن أتركك إلا في حضني أو قتيلاً.
قالت الأميرة: أحاول وأفشل.
قالت الأميرة: النق يصيبني بالصداع (وذكّرك نفاد صبرها بنفسك حين تمل نق ماما خارج سياقات موتك المتاحة).
***
وذات يوم أردتُ أن أحفر اسمي على فخذ فنانة غريبة الأطوار. وكدتُأكدّرناقداً استباحتْ يدُه شَعرَها ببراءة لم تستدع اعتراضها كالمرأة الوحيدة في المكان، تصدق
بعد عام لم أستغرب ابتسامةً قَصَفَتْ وجهها وهي تقفز فوق الدبابات إلى المقهى لتمثّل دور الفتاة النابهة المحوّطة بالمُعجَبين؛ لكن شيئاً أفرغ أدوارها الأكثر واقعية من الإقناع.
ومنذ ذلك الحين يا دكتور، منذ أنفقتْ ذخيرتها على ضرب الجذوع الخُضر لأشجار ما كادت تستقيم بيننا، لم يعد مجدياً أن أحاصرها بالمدفعية الخفيفة.
كان كلامها عن الحرية مثل ترهات عرّيف خامل يتصور نفسه رئيس أركان؛ مع شاي القرفصاء وسيجارة ثمينة، يهمس لروحه حالماً: كل المدرعات تحت أمري؛ وظننتُ أنني أسمع في إيقاعه نبرة قذائف أمرضتني إثر حروب بعيدة
الفخذ لا يوجد بغير كرسي يقيمه: إما أن أكون الكرسي أو أحفر اسمي عليه؛ سأحمل الكرسي بين باب المقهى والرصيف، أجرّب الوقوف والقعود يا دكتور؛ وإلى أن أملّ مناوراتٍ لا تُفضي إلى اشتباك، لبعض الوقت على الأقل، ستبدو الدنيا جديرةً بالقتال.
حين تأتيك الهزيمة تظن نفسك استرحت؛ الحرب لا تضع أوزارها أبداً يا دكتور.
***
وحين مات القاتل صار خيال عشيق كان يجب أن يكونه بلا صداع؛ لكن ما معنى أن يكون قاتلاً لو أنه سيدخل خلسة، يضع أحشاءه على الطاولة ثم يخرج دون أن يخلّف إلا عَرَقاً على المخدات؟ ستائر هفهافة لن يعود يمر خلالَها على ضوء القمر مثل شبح كلاسيكي.
ولكل قطعة أثاث لم يساهم في اختيارها تاريخ ملفّق، لكل نأمة في البيت سلّة مواويل.
لبضع دقائق قبل وبعد انتصاف ليلة واحدة من كل عام، يكتسب الوقت الذي شيّدناه كنصب من الصخر مرونة الجيلاتين؛ يترجرج الظلام بما يجعل إزهاق الروح أمراً مواتياً؛ وكمن يبحث عن انعكاسه في بِركة منحسرة أو يثير زوبعة بالنفخ في منفضدة، نعيد اكتشاف جفافنا.
في هذه الشلالات لا بلل ولا بريق؛ القاتل سيقتفي نظرات ظله الجانبية بينما الظل يهرب إلى حيث الأمان أو السعادة، تلك التي يكيّلونها بعدد الحاضرين وعذوبة ابتساماتهم في مناسبات مثل هذه؛ وناسين أنها كذبة مفضوحة، يحملونها على رؤوسهم ويزعقون.
لحظة الجريمة لم تكن هناك سجائر؛ القاتل من الصفاء في الإصرار والترصد بحيث لا ينتبه وهو يجهز عليها إلى أن صورةً مجسّمة حلّت مكان القتيلة.
مات القاتل بينما القتيلة تفرش ملاءة نظيفة في استقبال أسرتها العائدة من المنفى، وكان مذاق حيضها في حلقه يحوّل المشاهد على بَكَرة الفيلم بسرعة مدوّخة إلى ذكريات.
القاتل مات والأسرة نجت من الإيبولا.
***
وكأنه ذاهب إلى عرس أو عزاء يتحمّمالكنتوسويحلق ذقنه، يتعطّر؛ قبل أن يغادر البيت إلى البيت ليعود يغادر البيت إلى البيت مرة أخيرة، يلبس ما يبديه على أحب صورة إليه؛ سيكون مقتنعاً بدوره، ويكون أداؤه مثل واقعيةالكنتوسةتماماً: لا علاقة له بأي واقع.
على أي أرض إذن يودّعها بلا صداع؟ هل سيضحك أم سيبكي وهي تختبر الحروق التي صنعتْها على صدره في اللقاء السابق، تعيد تقييم عمل يديها بزهو لا تتمكن من إخفائه؟ كأن ما يلسع لابد أن يكون خلّاباً، كأن النار فعلاً دليل القوة! ومتى في انصرام ليلة مصيرية سيوقن أنه لا يمكن أن يصبح رجلها، أن الأشياء هكذا فعلاً كما يجب أن تكون؟
اثنتا عشرة ساعة ذكّرتني بيوم عرفتُ رائحتكِ، كان لابد أثناءها من إشارات عابرة إلى حياة ترتدينها كفستان نجمة تستلم جائزة في مهرجان، حياة بصقتْني من شباك سيارة مسرعة قبل أن أسأل نفسي إن كنتُ مستريحاً على لسانها، قبل أن أقرّر إن كنت أريد أن أُبتَلَع.
ولكي أتذكر أيضاً من أي بلاهة نجوتُ، من أي فرحة حسبتُها أغلى قليلاً يا حبيبتي، وبيأس طازج أُشهر أسلحتي الخالية من الميكروب على جبهات أكثر بدائيةكان لابد أن أرى السجائر على الطاولة لكي أتذكر أن الولد الوحيد إن لم يكن جندياً سيكون حانوتياً أو قتيلاً، وأن هذا ما يجعل شكلالحاجاتهكذا. أحاول وأفشل: يبدو أنني سأدفنك بغض النظر.
ماما قالت: هان عليك أن تتركني اثنتي عشرة ليلة؟ (وكان القمر قد اكتمل للمرة الثانية عشرة في سماء خيّل لي أنها تنطوي كجناحي طائر له سنة يرفرفهما في نفس المناخات).
ماما قالت: كم تبدو وسيماً في هذه الثياب، لكن
قالت: إلى أين تذهب وتتركني يا حبيبي، إلى أين تذهب وتذهب من جديد؟

الرغبة

البكاء على كوبري أكتوبر
لا تظنني غافلاً عن ما ينهش رأسك
وأنت ساهم هكذا وسط العجلات
لا تظنني ناسيك لحظة
أنا الذي نحيّتُ عنك حزام الأمان
ودرّبتك علىالفرملةالمتكررة
زارعاً في صدرك بذرة الوهم
بأن آخِرة الأسفلت عتبة كالسرير
الصوت الذي يبقبق في أذنك الآن
بأنغام طفولة حفظتْ طزاجتها
وسط ألف أقنوم آخر يشبهون نقطة انطلاقك
حين تعلّمتَ أن تتحاشى المطبات
الصوت الآسر بموازاة احتياجك
الخارج على إطار ترى الدنيا خلاله
أنا الذي أغويتك بانفجاراته المسكرة
وبينما تتبوّل على حز الطريق في الظلام
دسستُ فيالدبرياجأسطورتين
أن لكل نصف نصفه
وأن على الأرض تفاحة صحيحة
تكفيها قضمة من فمك
أنا الذي كنت أعلم
أنك ستمل تكسير الأقانيم
ولا تسأل بالاهتمام الكافي عن جراج
إلى أن تصبح الأسطورتان إثر مخابرة هاتفية
مجرد سبب للبكاء
بينما أنت هائم على واجهة سيارتك
فوق كوبري يشبه حياتك.

رجل في المدينة

قهوة في طريق الرجوع من المطار
عندما أعمانا النور قلتُ لكَ: داهمنا الصبح…
وكنتَ تتمتم وعينك للزجاج.
قلتَ: طلع النهار أسرعَ فعلاً مما توقعتُ.
قلتَ: هنا سيء، لكن هناك أسوأ؛
بل هنا أسوأ من هناك.
قلتَ: رغم أنني، ورغم أنها، ورغم كل هذه الأشياء،
أنا متفائل. ثم انتبهتَ إلى أن قهوتك
ما عاد يعلوها الدخان.
كنتَ تتمتم كأنني مرآة أو مسجل،
مجردُ حاوية قديمة
قطعت معك المسافات،
وعينك للزجاج الذي يذهب عنه الليل
بقسوة مباغتة.
في المقهى المفتوح أربعاً وعشرين ساعة
صالة انتظار أخرى؟ — المقاعد على رؤوسها،
سيقانها للهواء. ووجهك المشدود يسرّب
نفس إحساس الأثاث الشاغر،
الأثاث الذي يقلبونه ليغسلوا الأرضية.
كنت مثلَ المطار تماماً،
لا تود أن تكون صاحياً في هذه الساعة،
حيث المقاعد مقلوبةٌ والضباط يتثاءبون ممتعضين
وهم يختمون الجوازات.
قلتَ: كيف تضيق الأماكن؟
قلتَ: كم ختماً وتأشيرةً في جوازي؟
كم رحلةً مجدية؟
قلتَ: لعل الحياة أظرف تحت خط الاستواء…
هكذا كنتَ تتمتم عندما أعمانا النور.
قلتُ لك: داهمنا الصبح على ما يبدو.
وقلتَ: طلع النهار أسرعَ مما توقعتُ،
أسرعَ فعلاً مما توقعت.

جريمة قتل
هذهالأبجورةالثقيلة ذات الطرف المدبب
مثل آلة تعذيب من العصور الوسطى،
هل رأيتَها قابعة ببراءة بين سريرينا؟
(هكذا قال صديقي الساكن معي في الغرفة
حيث للبحر صوت السيارات على الكورنيش،
وفي خيوط الملاءة التي أنا نائم عليها
ذاكرة عُمر من القاهرة إلى الإسكندرية
على القضبان.)
سوف أنتظر حتى يغلبك النعاس (واصَل)
ثم أرفعها عالياً في الهواء، فوق رأسك
(وحاولتُ أن أتذكر
لماذا كان علينا أن نستقل آخر قطار
بعد ليالٍ من السهر غير المبرر
بحيث لا نكاد نصل إلى غرفتنا
حتى يستلقي كل منا على سريره
وليس في الدنيا ما يستحق اليقظة.)
سوف أنتظر حتى يغلبك النعاس (ردّد)
وصارخاً صرخة انتحاريّ على وشك أن ينفّذ العملية،
أريح يديّ من ثقل الأبجورة فوق رأسك.

رجل في المدينة (مراكش)
قبل أن تركب التاكسي من على باب المدينة:
عجوز قابل للكسر،
منكّس الرأس وجنبه للسور،
أمام أحد المعابر المقوّسة.
الآن في المطار:
أيادي الضباط السارحة بشهوة مكبوتة
على ملابسك المتسخة
كيف رضخت لحامل حقيبتك
وهو يخطو على بلاطات بحجم الكف،
فأضعت فرصة أن تنظر إلى العجوز
نظرة كاملة؟
مستويةً على رأسه وثابتة،
رغم هشاشة هيكله التائه في بدلة:
صينية مستطيلة،
أدهشك خلوها من الأكواب.
وفي يديه أمام وجهه:
ورقة صغيرة
ظننتَها نشرة طبية،
مجرد نشرة طبية لم يمض وقت منذ كانت مدفوسة
في علبة دواء.

رجل في المدينة (الاكتئاب)
حيث يبطئ المرور فجأة على أعتابوسط البلد“، يقف عجوز ممتلئ بعمامة على رأسه. يونيفورم أزرق ببادج نحاسي: دليل أن رخصة منادي سيارات كانت بحوزته ذات يوم، يبدو أنها تمزقت من سنين. لا ينتظر أن يعطيه أحد نقوداً. لا يأبه بإشارات السائقين أنْ لا تلمّعْ الزجاج. ولا ينطق مهما ناداه الآخرون. هو ثابت طالما السيارات واقفة. يهرول وراءها لحظة انطلاقها، فقط لحظة الانطلاق، ليمسح ما تطوله فوطته القديمة.

الفحولة
إلى أحمد يماني
قبل الفجر بقليل أخرج من المقهى المفتوح أربعاً وعشرين ساعة بحثاً عن نصبة جرائد لعلني أجد المجلة التي فيها صورتي. أمشي طويلاً في شوارع دامسة وأمر بأكشاك أسأل القائمين عليها لكنني لا أعثر على ما أريد. ليس معي أحد في المقهى: تركت الـ laptop مفتوحاً على الطاولة وفي حقيبتي المعلّقة على ظهر المقعد من أمامه مفتاح البيت وبطاقة هويتي. ومع ذلك عندما يقف لي تاكسي أبيض أركب جنب السائق على الفور ويقود السيارة في شوارع مشتعلة كأنما بضوء النهار لكنه ليس سوى عواميد النور البرتقالية وقد زادت كثافتها بصورة فظيعة. تمر ساعة أو أكثر ونحن صامتان ثم يتوقف في مكان ليس دامساً وليس مشتعلاً وعندما أناوله الأجرة يفتح سستة بنطلونه ويُخرج عضوه الأسود المنتصب. وكأنني عدت إلى حيث المقهى المفتوح أربعاً وعشرين ساعة أجدني وسط جماعة من الشباب الذين يتحلقون كل ستة أو سبعة حول سيارة تطلع منها موسيقى trance ويتكلمون فيما بينهم أو يقفون صامتين. أحس أنهم أصدقائي أو أنني واحد منهم لكنني أستغرب من أننا كلنا ذكور ولا فتاة أو امرأة بيننا وأتذكر أنني لم أر امرأة واحدة لا في المقهى ولا في الشارع ولا حتى في خيالي. ثم ألمح حقيبتي التي فيها مفتاح البيت والبطاقة على كتف واحدة منقّبة تمد الخطى على الجانب الآخر من الطريق وطرف الـ laptop بائن من فتحة الحقيبة. أحاول أن ألحق بالمنقبة لكنها تدخل في تاكسي أبيض يقف لها وينطلق وحيث أتوقع أن أرى صورتي في المجلة أجد صورة فتاة عارية سرعان ما تظهر راقدة على طاولة المقهى تتنهد مملّسة على جبيني ويبتل مهبلها وهي تقول: أليس شيئاً كريهاً أن تكون رجلاً في هذه المدينة؟

ماما
الشخص الثالث
نمليةمطبخها عامرة بالمسلّمات. لكن هناك دُرجاً أعمق من إحساسها بالصواب، مخصصاً لبذرة الرجل الذي ترى في وجهي كيف خيّب رجاءها قبل أن يموت (لولا ضرورة الخروج من بيت أهلها، لماذا كانت ستحمل بذرة هذا الرجل بالذات؟ ولولا أنه يرى الإنجاب جريمة، هل كانت ستكتفي بطفل واحد؟) في شعلة سخان الغازーمصانع القوات المسلحة، نفس غيظها مندشمؤجل منذ أدركتْ أن هذا الرجل، فتى أحلامها الوحيد الممكن، يراوده الانتحار. وبماذا كانت تحس وأنا أستنشق النهد العبقري لحبيبة تكرهها في الغرفة المجاورة؟ حين تكتشف كم من النقود أنفقتُ في ليلة واحدة، وأكون لازلت نائماً في الرابعة مساءً، تغضب على رَجُلِها قبل أنتلوشني”. ويظل تشنّج نبرتها حتى يذوب القرف على وجهها في حزن يكبرني بثلاثين عاماً. أتذكر أنها فعلاً أحبته، ولا شيء بعده في البيت أكبر منها سناً. فأسترجع التنهيدة التي ترسلها كل ليلة وهي تُخرج الزبالة، متفننة في حماية الأكياس البلاستك من القطط الجائعة حتى لا يتسخ مدخل الشقة التي لم تكن أبداً برجوازية بما يواكب تطلعاتها. وأسأل نفسي بحيرة: هل يقرّبنا أم يبعدنا الميت الواقف وراء الباب؟
الرغبة
تتذرعين بالمعرفة التي راكمتِها فأتذكر أن في الحياة أشياء لا تعرفينها. وحين أخرج على دائرة حكمتك — من غرفتك إلى غرفتي تبدو الصالة برزخاً بين عالمين — أقول لنفسي إنه من تحت رأس ختان الإناثالجهل الذي ينفيني في نصيحتك. (وكيف لا تفرق أعوامك الزائدة؟) أنت الأحق بالنصيحة ربما، لكنني كان يجب أن أسديها منذ خمسين عاماً. ولكي أدلل على أنني أيضاً حكيم في دائرتي — والبرزخ بيننا — لن أنسى أن أرد الباب بالرقة المناسبة.
الصنارة
شبيهاتها صرن بلا عدد في المدينة: خط إنتاج أرامل أسقطن شهوتهن تحت دولاب الملابس قبل موت أزواجهن بقرون، ونسين في حموة التنظيف أن يطلبن من الخادمة أن تساعدهن على زحزحة الدولاب. من وراء عباءاتهنーألق الأزياء الخليجية، ولقبحاجّةيرفرف في هبةالشكمانمع طرف الحجاب، يردعن جبابرة الشوارع بقادوم الأمومة. هل لهذا يختلن بشيخوخة إما لم تأت بعد أو كان يمكن تأجيلها؟ وهل لكل من الشبيهات أيضاً صورة بالمايكروجوب والشعرالكاريه” (لابد أن جون لينون يتقافز فوق قبة جامعة القاهرة التي لا تظهر في الصورة، لأن المشهد الثابت يهتز فعلاً على دقة Can’t buy me love)؟ هل يحيط بكل منهن أكثر من بنطلونشارلستونوقميص بياقة عملاقة تبروز عيوناً مقبلة على الحياة؟ كبيضة ضمن فلول البيض الأسود، ألمحها عن بعد بالقرب من البيت. لا نلتقي صدفة إلا وأنا ألتقط أنفاسي بين مشوارين، هنا حيث أقاسمها مستقرها على جسر الحياة. الأكياس العالقة في ذراعها أثقل من مصيري. لذلك لا أهرع لأحمل عنها. لا ألفت انتباهها إلى أنني هناك. تتدحرج وسط ميكروباسين، في جمودها إيحاء سرعة لا تصل إليها خطواتها. وأسأل نفسي كيف، من وسط كل الشبيهات، مازال يمكنني اصطيادها بنظرة واحدة.
عشر ركعات
الليلة أيضاً، مع أذان الفجر، ستتلفنين. وأكون في مكان لا يمكن أن أصطحبك إليه. سأنزوي في ركن خال لأحدّثك (الخجل من أن لي أُمّاً تتلفن، وكيف لم يبرحني منذ الطفولة؟) بلهفة ستسألينني متى أعود. لا طارئ سوى طعام أنت طبختِه ولم آكله. ما يسمونهتضحية”. وحسب درجة نفاد الصبر في صوتك، أوشوش إمالا أدريأوبعد قليل”. لكن في الصمت استجواباً متهدّجاً ينسرب من فمك، فينز غضبي مكتوماً في الأثير. حين أعيد المحمول إلى جيبي ستلفحني أساطيرك. وماذا كان يجب أن يحدث ليكون في الدنيا شيء سواي؟ مَن كان يجب أن تكوني، لأغفر لك ما يسمونه قلب الأم؟ ولكي أتذكر أنك أنت وأنا المسئول أمامك، بعد الأذان سأنزوي في ركن مظلم لأخلع حذائي: كمن يسجد، بعنف، سأضرب رأسي في الأرض لكل تضحية من تضحياتك ضربة. ولن أغفر لك كل هذا الوجع. ما يسمونه التفاني. والنقودِ التي لا تنفقينها. والحفيدِ الذي لن تقبّليه. والقلق الذي تحقنينني به كل صباح. والمخاطر القاتلة. ويد القدر الحانية عليك بإنقاذي. والصلاة والصوم. ومنفضدة السجائر. وشكواك مني. وكل ما تفعلينه من أجلي. وكل ما كان يمكن أن أفعله بدونك.
ساعدي يوجعني
بموت أحدهما يتعلم الشخص أن الأبوين كالأطراف لا يزول وجعها بالبتر. تتوقف أمي على عتبة غرفتها. ظهرها إلي وهي تسند بكفها على زاوية الباب. أواصل ذرع الصالة جيئة وذهاباً. لا أفكر في احتياجي لساعدي بقدر ما أفكر فيما تعرّض له من أذى، الأمر الذي جعله وزراً غير مرغوب في بقائه. لماذا الآن دوناً عن أي وقت أقبّله بحسرة، ألوي رقبتي حتى تؤلمني لأتفقّد بؤره السقيمة، وأحار كيف كان يمكن أن أجنّبه الكدماتالساعد الثقيل كحمل أتطلع لإسقاطه، ربما ليس أثقل من هذه العجوز المُضجِرة. (للمرة المليون أنينها المسرحي يذيع على العالم كم هي مظلومة وصامدة، وهل سيُشعرني بغير رغبة خابية في صفعها؟) أتذكر أن نقّها يتراوح بين آلام العظام وتشنج العضل. ارتعاش الأصابع، لسع الحروق، صديد مفاجئ على راحة اليد. خدوش قديمة تذكرني بمهمتي، وعلي أن أتحمل إحباط أنني لم أؤدهالكن ها هي الآن تعبر العتبة كالنسيم. وقبل أن أتوقف عن الحركة، يقلع كفها عن الخشب ويحلّق عالياً في الهواء. ستبدو أخف من كل أوزار الدنيا. وسيمكنني أن أتابعها بفرح، أنا الذي تمنّيتُ أن يموت أبي. وعرفتُ أنني لن أتخلص منه أبداً.
الحياة بعد الموت
يوماً ما سآخذك إلى الصحراء، وأصر أن تبيتي خارج الخيمة. سأظل صاحياً طوال الليل أحرسك من الثعالب والثعابين. وحين يشقشق الصبح سيكون شعرك مكشوفاً للسماء وحبات الرمل عالقة بأطرافك العارية. بلا خوف من هوان الدنيا ولا عذاب الآخرة، ستفتحين عينيك. وستكونين المرأة التي افتقدتها فيك منذ الأبد.

إلى أبو الليل في غربته
أورسالة المنفي“*


من القاهرة إلى لندن، نوفمبر 2010
“كتابىِ–، ولولاَ أنَّ يأَسي قد نَهى اشت ياقي لذاب الطرس من حر أنفاسي
###### وبعد فعندي وحـــشة لو تقسّـــــــمت على الخلق لم يستأنس الـناس بالنـاس”

أسامة بن منقذ
بوحي قصيدة للشاعر الأمريكي إيزرا باوند (1885ー1972) عن نص صيني قديم:
Exile’s Letter by Ezra Pound (based on Li Po)
أكتب لكَ والمنافض أهرام من الأعقاب.
الشيء الذي حذّرتَني من دَوَامِه توقّف.
وصداع النوم المُمَزَّق يجعل الدنيا خاوية. أنت فاهم.
في جيوب الحياة ننقّب عن عملة من عصور سحيقة،
عملة صدئة وربما قبيحة لكنها سارية في سوق الأبدية.
نصبح ملائكة حين نعثر عليها. نجترها حتى نتأكد
أنها لا تشتري البقاء.
ساعتها تبدو الأبدية نفسها رخيصة.
نتذكر عهود الأبالسة وأن كل مياه الأرض لا تكفي
لابتلاع حبة دواء. أكتب لك بعد أن حفرتُ فتحةً في بطني
وألقيتُ أمعائي في النيل. هل كنتَ تعلم
أنني سأفقد ما لم أحصل عليه؟
حقول الأسفلت التي ذرعناها معاً
نتراشق الاكتشافات والأسرار، ويوم احترقتْ العجلة
على أعلى نقطة في الكوبري
ونحن غائبان في الحشيش والموسيقى
فوق المدينة التي بدت مثل زاوية صلاة
أسفل عمارة الدنيا ما بعد 11 سبتمبر
أنت صمّمتَ على إكمال المهمة
حالما استبدلنا الكاوتش المدخّن،
وكانت أقراص السعادة في تفاحة حمراء من البلاستك،
قسمناها نصفين لنبتلع الأقراص على قارعة الطريق:
هل تذكر وقت كانت السعادة أقراصاً
يمكننا التقاطها من نصف تفاحة بلاستك؟
ويوم خلعنا ملابسنا في صحراء صغيرة داخل شقة
يعاد تبليطها فوق الميدان،
ويوم انقلبت أعصاب ذراعك أوتار معدن
يمكنني أن أعزف عليها بصوتي،
والهلوسات التي جعلناها شبابيك، ومشاجراتنا
حول النقود وسيناء، والحورية التي جلست بيننا
حتى مالت برأسها على كتفك وأنا راضٍ تماماً
إلى أن — ذات يوم — مات كل شيء.
قُدنا السيارة إلى الشاطئ أو غابة النخيل
لنتأكد أنه لا يحيا.
أنت واصلت البحث عن مزاج مثالي
بينما تكتشف الفلسفة والكآبة، وأنا اختبأت في بيت أمي
لأكتب رواية. وحين تزوج أحدنا وأنجب الآخر،
لم يكن سوانا لنخبرنا بحقيقة ما يصير.
ظل لكل حدث حديث من الطول والتعقيد
بحيث قلتَ إنك مللتَ الكلام،
إن شيئاً في الكلام لا يؤثّر. وفي هذه القصة الأخيرة،
وحدك فهمت أنني لم أكن مخدوعاً
بقدر ما أردت أن أصدّق،
وأن ما جادت به الدنيا مجرد مشبك
لأسمال بللها لقاء عابر ستجف آجلاً أو عاجلاً
لأعود أرتديها كما خلعتها وارتديتها
ألف مرة أمامك.
كنت تعلم أنني لست سوى أحد أعراض مرض
لا يشبه أمراضنا كثيراً
وأنّ وعد الخلاص خطاب موجه
واللحم والدم محسنات بديعية.
سيتسنى الوقت لنتجادل
فيما لو كان الفيلم هابطاً وإلى أي حد،
لكنك لم تخبرني بأكثر من أن الواقع المشترك
لا يكون براقاً وبأنني لن أقوى على الانتظار.
أكتب لك، كما يقول روبيرتو بولانيو، بدلاً من الانتظار
ولأن قلقك لم يكن في محله. الوحشة أفسدت كل شيء
لكن البدائل حاضرة طالما الأبدية على الرف
ومن رحمة النوائب أننا لا نحزن إلا على أنفسنا.
كنتَ تقول: أحبها وأحتقرها. الآن أستدعي ضحكاتك
وأنا أتهادى إلى الحمام. قطرات الماء البارد
قد تجلو هذه القورة. أفرغ المنافض في أوعية القمامة.
أصنع القهوة وأشربها.
وكل هذا الذي جرى لي وقتلناه نقاشاً
طوال عام عامر بالشِعر والبكاء:
مجرد وهم آخر أكرهه لأفقده
وحين أفقده أكف عن كرهه لأنه لم يكن هناك.
في الحلم كان كما لم أعد أشتاق إليه: رائعاً ومهلكاً
مثل أورجازم سماوي. خبّرني عنك ولا تقلق علي.
الحسرة للـ“جدعان”.

3ーالأخطاء
شتاء 2010ー2011
إلىحنتوسو”: أنت الهدية
كتبت بعض نصوص هذا القسم تحت تأثير أعمال الموسيقي التونسي أنور براهم
*
أدهشني حين التقينا
أن يكون قصيراً وبارداً
واتضح أن تعليمه النظامي
رغم كل هذا الساكسوفون
والكلارينت صانع المعجزات
كان أصلاً على العود
في قعر النغم الشرقي.

جامع الفنا بدونكِ
حين هجم شابان على فضلة عشائنا
فوق طاولة مستطيلة من صفيح
وقبل أن يصرفهما الطهاة
إلى برتقالات مشتعلة وطائرة
وخوف خطوات رفيقتي عبر الساحة
لا يدرأ وجهك عن الظهور دامعاً
في هذه اللحظة بالذات
كانت تنهاني عن تدوير المشهد
لأنها نوت أن تكتب قصيدة
حول الشابين وشيء آخر نسيتُه
قالت إن قصيدتها قد تتأخر أعواماً
لكنها ستكون الكلمة الحاسمة
وكان الشابان بعزم ميكانيكي
يغيّبان ما تركناه في بطنيهما
ووجهاهما خاليان من الشعور
كأنهما إنسان آلي مبرمج
على إفراغ الدنيا من الطعام.

لندن

تمرد
لولا أعراف الكتابة التي تحكمني لبدأتُ بقول إن لبشرتينا لونين يعكسان تفضيلنا للّيل والنهار. من أجل ديالكتيك توحدنا المؤجل: أنا وجه الغّمر وأنت رفة المياه في الخراب. ومستبدلاًنحن وهمبـ“أنا وأنتكذلك، ربما تماديتُ على طريقةمحمد الماغوطوأغنيةالشيخ إمامالشهيرة، لا لأمجّد الفقر ضد جور الحكومات ولكن لأتذكّر أن الشبه أكذوبة والتوحد ليس ذروة شاردة في بيت المرايا حيث انعكاسات مشوّهة لما يحكمني. أنت الورق وأنا الحبر أنت الشمس وأنا الزرع أنت الهواء وأنا الغبار. أنت الفراشة وأنا دودة القز أتغوط حريراً لا يشبه الشَعر النابت بين إليتيك. لولا الأعراف لكتبتُ أن موالاة تجسدينها أقرب إلى المجتمع المثالي من معارضة ناضلتُ في صفوفها طول عمري. أن الثورة سمكة والفجر غصن. والحب قط في متاهة التماثيل.

أنتِ والتنين
إلى أنطون شماس: ذكرى الخريطة التي انتبهنا إليها كلانا في قطر
بينما تزقزقين فيرُبع غير معلوم الحال” (هكذا تُعَنوَن الأماكن المجهولة على الخرائط القديمة)، صارت كلمةالتنينتُستخدم بغرض المبالغة، كأن يُقالَ — بدلَحزن شديد“، مثلاً — “حزن التنين”. وخطر لي لأول مرة إثر سماعها أنه لابد من طريقة أخرى لخرق المتاريس. كنتُ على بوابة مرقص غادرتُه جرياً منذ خمسة عشر عاماً. وبعد خمسة عشر عاماً، والموسيقى نفسها تسحبني — مع أنني لست راقصاً ولا أحب الرقص — كانت عيني تنسل إلى الأضواء اللفّافة بالداخل. هذه المرة أيضاً لن يذهب اللقاء أبعد من عتبةٍكعبلتنيوأنا أخطو إلى الوراء مذعوراً بينما الراقص الوحيد الباقي ينفث في وجهي النار. وفكّرتُ أنه على الأرجح من طول احتمائي ضد عوامل التعرية والتعرض أنْ صار يسحرني الجلد الأخضر لزواحف الشوارع، تلك المخلوقات المفرّغة: أخالني في الدنيا لأملأها. عليك أن تدركي أنني لم أنس زقزقتك لحظة وإن قبلت بلغة تجعل من المخلوق الخرافي أداة توكيد. والآن أيضاً سأجري بعيداً عن بوابة المرقص، وستغفرين لي شرودي إلى هناك بأن تبصقي حزناً لا يركب على بهجة شفتيك. هل تعرفين كم كنتُ أبكي ابتسامتك وأنا أصارع التنين؟

تدخين (Willesden Green)
لحظة الاختلال المفاجئ
ويدي التي فارقها للتو
كتاب القصائد الأخيرة،
تتشبث بالزجاج
هل لأنني تخيّلتُ
رائحةسيلفيا بلاث
في أنفتيد هيوز
كدتُ أفقد توازني؟
على الحافة السميكة
للشباك الوحيد
الذي يمكن فتحه،
عالياً قرب سقف غرفتنا
حيث جهاز إنذار الحريق متأهب
لأي سيجارة أُشعلها،
والطقس سجن أو سحاب،
كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل
ورأسي فيالفريزر“،
أزفر دخاني وأقرأ
لاهياً عن وضعي الأكروباتي
حين انزلقت قدمي.
ودونما يوقظك ارتطامه
فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،
قبل أن يعود نَفَسك
يغيب في الأغطية السميكة
وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،
ويهب شيء من رائحتك،
أو هكذا خُيّل لي
سقط على الأرض الكتاب.
كل ما أذكره أنك نائمة
وأنا أقول لنفسي:
فضلاً عن الغرام واللاغرام،
الشِعر واللاشِعر،
وألف شيء غالٍ
لابد أنه أصبح رخيصاً؛
فضلاً عن الشهرة التي يقول لها
في إحدى قصائده
إنها ستجيء كما أرادتها تماماً
ستجيء الشهرة،
هكذا يقول لها في القصيدة،
ولكن بعد أن تكوني
قد دفعت ثمنها:
سعادتك،
زوجك،
حياتك
فضلاً عن الناشر
والطبيب النفسي،
المكتبة وقاعة المحاضرات،
مَن المسئول عن الخلاف
ومَن يعتني بالطفلين
(كان أصغرهما قد مات منتحراً
قبل عام من لقائنا:
عالم أحياء مائيةملو هدومه
في السابعة والأربعين)
وعن ترهات الـ feminism
واللاfeminism أيضاً،
بعد عقود من وفاتها؛
فضلاً عن كل ذلك” –
هكذا أقول لنفسي
– “لابد أن رائحتها في أنفه
كانت أبسط وأروع
من أن يقدّرها سواه.”
ودونما أتذكر أنني
قبل أسابيع أو شهور،
دخّنت بالطريقة نفسها في مالطة
ولم أحس بالسعادة،
مع أن الطقس موسيقى
وموقع الشباك لا يضطرني
إلى الأكروبات — كانت أخرى
لا رائحة لها في أنفي
نائمة مكانك،
وبدا أن مالطة كلها
في الوقت نفسه
مكدسة وخاوية
شعرتُ الآن أنني
محلّق في الأعالي
لأنني مازلتُ واقفاً
وأنا وأنت في غرفة واحدة
بعد أو بالرغم من كل شيء،
ووجدتني أنظر
إلى حيث وقع الكتاب؛
ودونما أدير وجهي
إلى جسدك النائم،
أشهق وأهمس لك:
نجونا يا جميل!”

“عبّوطة” (Victoria)
شيءٌ ما في مشيتكِ بعد أن نحّفتْكِ الغُربة
توازن صعب أو فقدان توازن
بين ملبن هيكلك والأرض التي تحمله
ميل في لا أو أكثر من اتجاه
بالحذاء الرياضي والمعطف المدبوغ
مع الفرو حيث الخياطة أنت أصغر حجماً
وسط كل هذه الشخوص والمركبات
على جانبي طريق بلا أهمية الآن
أربع عيون خائفة عبر الجليد
نصف دورة أخرى وذراعاك تائهان
كأنك تبحثين عن شيء لاحتضانه
بين بكاء لم تمسسه الأسئلة الوجودية
وبكاء من أن الفرحة مؤقتة
ألف صوت أتعرف بها على نفسي
دونما يبرح اسمي شفتيك
وألف صورة للطفولة ذاتها في الضوء
الآن وقد كبرتِ واشتد عود وحدتك
حتى هضمتِ أملاحاً أنا بثثتها في كليتيك
وعاودك التساؤل عن مصيرنا
شيء ما في اختلال ركبتيك حفظ السر
وأن ما ينتهي لابد أن ينتهي
أنت على رصيف كهذا كل مرة تبدأين
بينما بعد يومين أو أسبوعين أودّعك
وقد عثر الذارعان على إبطي.

وسواس (Harley Street)
حَذَرُكِ يشل الرغبة
وأنا أقطع طريقي
تبدو استحالتُنا بسيطة
وأسمع ألف بظر يشخلل
مثل ألف صَدَفَة في جوال
أحمله على كتفي.

المولد (The merryーgoーround at South Bank)
لا يعرف لها اسماً بالعربية:
لعبة الملاهي الأثيرة
في القصص الخيالي وأفلام الرعب،
حيث جياد من خشب أو بلاستك
تدور على قاعدة مستديرة
والأطفال في الظلام
على أضوائها يركبون.
احتفالات الشتاء على ضفاف النهر:
المولدفي ألطف منطقة
في لندن.
وبينما حبيبته تبحث عن هدايا
لأشباح ساكنين في ربع ثالث
من عالم يفصلهما ويدعوهما للقاء
بضعة أيام فقط وسط الفراق،
بينما في المبنى المشرئب فوقهما
مثل عملاق من Meccano
أوروبوتمعماري،
معرض فوتوغرافيا الصحافة
صور الصومالي الذي يرجمونه
بأمر المحاكم الشرعية
ستؤرّقأبو الليلشهوراً لأن الرأس
وهو الشيء الوحيد البائن
من جسد مدفون في التراب
بدأ يغير لون الحصى بالدم،
ولأن هؤلاء كما ظن نفسه ذات يوم
هم أيضاً مسلمون
اشترى الحبيب ساعة جيب من نحاس
على وجهها تنين
ثم دفتراً سميكاً له غلاف قماشي
يوحي بأنه كشف حساب
من أيامليوناردو دافينشي“؛
ومن مكتبة كأنها المصران الغليظ
للـ Royal Festival Hall،
ديوان شعر وحافظة أوراق ملوّنة.
كانت حبيبته مبتهجة بالأكشاك؛
وبرغم أنها تترقب لقاءً، حتى هنا،
يكون من شأنه
أن يغيّر لون الجليد،
تفط على كعبيها كعصفور
فوق البلاطات، بين النهر والدرج.
وبدون سابق اتفاق، وهي تفعل،
يلاعبهاغمّيضة” –
هكذا تسميها حبيبته
كما تقولسكربينةو“جزدان“،
ولا تتورع عن نعتحرارةعلى الشفاه
بأنهاطفشِة حِمّى” –
فلا يقبض على كتفيها من وراء
إلى أن يرى الخوف في شعرها
تحت حز طاقيتها الكبيرة؛
حينئذ يثبّتها تحت ذقنه،
تصبح للحظة أو يزيد
عروسة حلاوةهوحصانها”…
ثم يواصلان حركتهما آمنين
وسط أشباح ليس من شأنها
أن تغير شيئاً،
يتداولان أمر المكان الأمثل للعشاء.
وحتى يبلغا لعبة الملاهي هذه
في طريق مغادرةSouth Bank
على غير انتظار، ويكونا قد تداولا
الشالات والأقراط كذلك،
خاتماً بفصٍ، حقيبةً مشرشرة
بلا كلام يسترسلان في التساؤل
عن مصير ذلك الذي دام
دونما يستجمع قوة دفع كافية
للوقوف حيث يمكن
أن تتحلق حوله أشباح
مع أنه لم يتردد يوماً في التجدد،
ذلك الذي دام بينهما،
ولا عمل حساباً للـ“موالد
أو محاكم تشرئب بالأسمنت من فوقها
أمام الـ merryーgoーround يتوقفان.
لا يعرف لهم اسماً ولا حبيبتُه:
فرسان الخيال الصغار هؤلاء
يصرخون بفرحة أو رعب،
وكأنهم يتعقبون مصائرهم
في دائرة مفرغة.
من صائد الغزلان إلى قائد الجحافل،
والهائم في البراري
يغني غراماً مستحيلاً:
صاروا كلهم أمام الحبيب فجأة
على صهوات جيادهم،
يدورون بلا توقف حيث بدا
أن أجساداً بلا عدد
يمكن أن تُدفن إلا رؤوسها.
وإذا به يحوّط حبيبته بفزع
من أن تغيب مرة أخرى
أثناءغميضةيلعبانها
فلا يعود يجدها
في ألطف منطقة في لندن
حيث جياد من خشب أو بلاستك
تُمتطَى على ضفاف النهر
والـ Royal Festival Hall إله
يثبّت تحت ذقنه الخليقة.

عشاء (Baker Street)
برغم الجليد المتراكم
فتاتاً من الصوف الأبيض
وكونكَ لا يمكن أن تدخن
في مكان دافئ
اللقاء فرح عابر القارات
وتناغم النكهات عبقري حقاً
في المطعم الطلياني
كل ما في الأمر أنالبيتزا
جاءت حارة بدرجة مستحيلة
ما دفع النادل إلى الاعتراف
بأنه لا يختار لنفسه هذا الصنف
إلا حين يمتلئ خَزّان دموعه
آكلها على العشاء
هكذا أخبرك النادل
ثم أُمضي الليلة أبكي
هكذا ولو للحظة
كان لابد من اجترار موتاك
أو كما يقول كفافيس
الذين فقدتهم
وكأنهم ماتوا
ودونما تفسد الفرحة
امتد خيطان شفافان
كالثلج أو الكريستال
من وجهك إلى طبقباستاجديد
طلبتَه خالياً من الشطّة.

موظف الأرشيف
تحية إلى وديع سعادة

سيدة البئر
لكي تكون لحظةٌ كهذه
برغم أوجاعنا المسلوبة
واللعاب دهان سحري
من الفم إلى تجويف الأذن
على طرف إصبع
كأنه يُداوي جرحاً هناك
كان على سيدة البئر أن تأتي
حدباء في ردائها
تجر جوال الموسيقى
ضحكتها شق من صديد
والبرد مخبوء في شَعرها
هي التي لم تستطع أن تكون أُماً
بعد أن أنجبت شعباً كثيراً
مثل أنبياء اليهود في الكتاب المقدس
هي التي كدّست الآذان في جوالها
وأدمت الأسفلت رقصاً
مَن كان يحسبها تجازينا بيأس
يسع كل هذا الجمال؟
لنكن في اللحظة نفسها
بكل ما بقي في جوفنا
ولتكن مضاجعاتنا حزينة
على أقصى ما يكون الحزن
لتكن شهوتنا فجيعةً يا حبيبتي
كالحرب وأبناء السِفاح.
الحدأة والحرير
من دبي إلى قطر: آذارーتشرين الثاني (مارسーنوفمبر) 2010
مَن سواكِ يذود عني أيتها الفراشة،
والواقفون على أطراف الأصابع
ملأوا الكؤوس ليتنهدوا بابتسامة:
“قسوتكَ…“؛ “عوّلت أكثر…“؛
كل من مر بتجربة…”
فيماأبو الليلفي غربته يزفر:
لماذا أجلّتَ النهاية؟
قبل أن تعودي أنت
كأنكحلم أو صلاة
كما يصفك سركون في القصيدة،
تتلبسي شفتين بريئتين:
كيف صدّقتَ مَن كان يكذب عليك؟
لعل اعترافاً ناقص
منذالمنمنمة
بأنني انزلقتُ إلى الهاوية باختياري
مع أنها لم تكن هاويتي؛ أقصد:
لم تكن ما ظننتُني
على حافته،
وإن علمتُ بأنني إلى سقوط:
لم يدفعني أحد إلى هذا الظلام؛
لا أحد أجبرني
على العظام المهشمة.
وكانت الحدأة، شأن الجوارح،
بَجِحة بما يكفي
لتطالبني بأثمان جولاتنا في الهواء
أنا الذي تهاويتُ
لتقتات علي.
الحدأة في سمائها
فوق سطح العمارة،
وأنا قعيد فيالمنورالرطب.
لكن جدولاً يترقرق
وراء غيط فوسفوري.
وأنت يا من تقيئين الحرير
تتقافزين على زهوره،
في طريقك إلي.

الادعاء
أنحف صديقاتي دائماً ما تشكو
من زيادة الوزن، الأمر الذي يحيرني
حين أفكر في السمينات
لكنني أرجع أتذكر
أنني لا أتعذب في عشق عشيقتي
إلا ليكون عندي حجة مناسبة لهجرها
وأفكر أن الأشياء أقل أهمية
مما تبدو، إذا ما نظرنا إليها
على المدى الطويل
الأمر الذي يهدّئ من روعي قليلاً
فأقول لنفسي إن الدنيا هكذا بالفعل:
النحاف يخافون السمنة
والسمان يحبون الطعام
العشاق لا يتعذبون للأسباب الصحيحة
وكل شيء لا يركب
على كل شيء.

الحب (زواج)
ولكنك لم تتكبد كل هذا إلا لتسمع التكة المفزعة لباب يُغلَق فتعرف كم تتوق إلى اختفاء الشيء الذي أمامك، الشيء الكريه الذي لا تريد أن تراه. هنا يصبح ما يجعل للعالم معنى مجرد جزء من العالم. تنتحر الروعة. والقصة نفسها تنتهي أو تبدأ.

الحب (حَمْل)
لولا الخطوة العجولة
لشخص يخرج من البيت
ولا ضوء بعدُ حيث تزقزق العصافير
لما امتلأت الأرحام بالأجنة
تدمدم سيارتي في الصمت
وأنا حامل الحقيبة في الليل البرتقالي
خلفي قطار من الأيتام.

آباء غائبون
إلى فادي عوض
كنت أحسب المرأة التي حملت مني هي التي أنجبت. ولأن كل شيء يحدث في المنام، نسيت أن امرأة أخرى سبقتها في ترتيب المضاجعات.
فجأة وجدتني جالساً مع الأخرى هذه وهي لا تشبه نفسها في الواقع. بدا وكأنها هي التي ظنني أصدقائي أتكلم عنها يوم أخبرتُهم بأن لي ابناً لا أراه. وطوال جلستنا، مع ذلك، لم أصدّق تماماً أنها أم ابني. عبثاً حاولت أن أتذكر من أي زاوية ولجتها ولم أتعرف على ملامحها بيقين.
لذلك عاق فرحتي بتسامحها الخرافي مع غيابي ونزقي انقباض. لا وعي عندي بأنني أحلم. ورغم أنني بدأت أتلمّس علاقة حميمة ببني آدم يشبهني عنده ثلاث سنين، ممتناً لأن غيابي لم يجعل عند المرأة التي أنجبته ضغينة، ظل ذلك الانقباض يشتد.
عندما أفقت تذكرتفادييعلّق على لقائه الكارثي بامرأة لم يتخلص من حبها: “الشيء حصل”. وحزنت من أجل آباء العالم الغائبين.

زوار المرضى
كنا كلنا هناك: الذي يتكلم في التليفون، والذي لا يتكلم في التليفون؛ الناعس في جلسته، والذي يتشاجر مع الممرضة؛ الذاهب والآتي، وإن كنا جميعاً قاعدين. كنا هناك يلمّنا فيلق من الموتى كادت تُنسى ملامحه، ونراوح أكياساً تتدلى من قوائم السرير؛ بيننا من يناولنا مأكولات خفيفة فيما المريض يدمدم من أمامنا، ليس واضحاً في احتضاره إن كان ضجِراً أم مرحباً. وعلى رصيف المستشفى، كان المشاة كأنهم عائلة كبيرة: يلمّهم موتى نُسيت ملامحهم وهم باتجاه أَسرّة للاحتضار؛ فيما المستشفى نفسها شوارع والشوارع بيوت، يرتادونها ليتناولوا مأكولات خفيفة.

عزاء
كيف سيمكن لكل منهم أن يتعرف على وجه الآخر، هؤلاء الثابتين على قواعدهم باختلاف درجات الململة؟ الأدهى أنّ عليهم أن يتذكروا الأسماء. بين وصلات النحيب ستفتّش الثكالى عن زوجات لأبنائهن. سيسترق الصغار نظرات إلى بدلاتهم المنعكسة في الزجاج. سيتردد المدخنون لحظة إشعال السيجارة. ربما ينسى واحد ويسأل عن الفقيد: ما الذي أخّره عن أداء الواجب معنا هنا؟ وقبل أن ينفضّ الجمع تقرقع القبلات على الخدود، ولا أثر للموت على وجوه العائلة.

ثورة (مسيّل للدموع)
كان يسقط ماء من عيونهم
من نظراتهم المصممة وحناجرهم
قبل أن يرتموا على ظهورهم
متشنجين فوق سلالم العمارات
مفزوعين باحتقان وجوههم
بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجين
حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة
تفتح عيونها بالخارج
كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون
وبينما يحتمون بأبواب العمارات
كان يسقط من عيونهم ماء
يبرق بين أقدام اللاحقين

ثورة (صلاة شكر)

######

######

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذينعزّلوابعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

ثورة (سموات الريفييرا)
السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقولالميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورثإثر رجوعه منالباستيل”. وسمواتالحنجرةالقديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقولوديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّجعبد الحليم حافظعلى الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

رثاء الذات أو ثلاثة تجليات لموظف الأرشيف في القاهرة
ー1ー
اليوم سقطتُ في الانتخابات
###### أول مرة أترّشح
###### ولولا أن فارق الأصوات لا يسمح بشك لعزّيت نفسي بالتلاعب في الصناديق
أوقفني رجل متوسط العمر يطلب سيجارة
###### بدا مثل موظف أرشيف في فيلم أبيض وأسود
كان يأكل شطيرة فول
###### وحين ناولته ما طلب سألني بنبرة متعالية إن كان يمكن أن أعطيه أيضاً مساعدة
رقصة الفرح التي أديتها احتفالاً بالفائزين لم تمنع عرسة بداخلي من البكاء
###### ليس على مقعدي الضائع في المجلس
ولا على ثقة الحثالة
###### لكن لأن التحسر على أبناء دائرتي لن يعود ممكناً 
###### كم كنت ساذجاً يوم ظننت التحسر ضماناً لئلا يكون السقوط مدوياً لو حدث
حين انصرف موظف الأرشيف مختالاً كان عضوي يشاور عقله
###### عضوي الصغير الذي بنى أمجاده بنزاهة مخلفاً دمعة أو اثنتين، عضوي العصامي
سيكتمل انتصابه وأنا أتساءل إن كان للديمقراطية علاقة بالفحولة
ما كان يجب أن أعوّل على الاستجابة يوم رفعتْ أمي وجهها إلى السماء: “يحبّبفيك خلقه يا بني
###### أمي منذ أيام في الحجاز
أبي كما هو تحت الأرض أو في مكان ما
البدر كامل خلف العمارة وغداً تزورني امرأة أنتظرها.
ー2ー
ضِعتُ في طريق العودة من موقفعبود
قال لي سائق آخر وسط عطلة المرور: أنت الآنَ خارج القاهرة
كان له ملامح موظف أرشيف يطل وجهه مُضجِراً من إحدى شبابيكالمُجَمّع
الجوع في بطني ولا أشعر بغير الوهن
كانت الأبواق تدفعني بلا رحمة عكس وجهة بيتي إلى الأمام وكلما بلغت تقاطعاً وغيّرت وجهتي أنتهي إلى الطريق ذاته حيث السيارات مسرعة ولا أحد
عبرتالزراعيإلىالصحراويوما زلت ذاهباً إلى الإسكندرية
بدأتْ السيارة تحذّرني من نفاد البنزين ولايوتيرنفي الأفق أو مضخة
وقبل أن يبدأ الارتجاف تذكرتُ موناكو
ذهبنا من نيس بلا سيارة وقال صديقي إن ثمة شيئاً كئيباً في محطات القطار: حتى هنا يا أخي
وكنا نركض
في محطة أغنى بلد في العالم
لنلحق قطاراً يعيدنا قبل أن نُضطَر إلى المبيت في المطر
لكن صديقي ليس هنا الآن ولا نيس ولا موناكو ولا حتى موقفعبودواللهاث ليس في الرئة ولكنْ في بطني حيث يجب أن أشعر بشيء آخر وأنا ثابت أرتجف
أضواء الطريق برتقالية وإذا وقفتْ السيارة لن يأتي أحد لنجدتي.
ー3ー
كأنني كنت في جمع ورمشتُ فوجدتُني وحدي وسأعرف ليس واضحاً من أين
أن الطبيب عاد إلى ستوديو الإذاعة والصُحفي إلى مكتب المسئول
وأن امرأةً آمنةً تصرخ مذعورة هناك
المجند الآن حيث كان قبل أن يأتي، في منزل الشرطي
لابد أن الذي ضمنا احتفال لأن ثمة أكواباً نصف فارغة وبقايا حلوى
الكراسي مقلوبة وسط الزَبَد الاصطناعي ولا سبيل إلى معرفة من كان يضاجع من
لعله طقس بدائي أيضاً وإلا من أين برك الدم المتخثر والأعضاء المقطّعة؟
انتظرت عودتهم طويلاً منذ رمشتي البريئة تلك وانتظرت أن يأتي ولو أحد أطفال الشوارع مثل هذا الذي يمر ملتحفاً دبابة ويرمقني عبر الجنزير ليشرح لماذا انفضوا عني هكذا
لكنّ موظف أرشيف عجوزاً هو الذي أفزعني
لم أكن متأكداً من نوع السلاح الذي يتدلى من خصره حين انتبهت إلى يده على كتفي:
أمامك أربعة وعشرون ساعة لتعود أنت أيضاً إلى مصلحتك
فعرفتُ أنني أنتظرهم لليلة الأخيرة في المكان المتفق عليه حيث الشراب والوسائد ومروحيات عسكرية تحلق وقد اكتست بالسندس والاستبرق لتصب الموسيقى في أذن الأرض
لن يأتي أحد ليشاركني فرحتي وكما كنت أفعل قبل أن أجيء إلى مكان اللقاء سأستمتع بمفردي وربما حتى أتمرغ من اللذة رغم خشونة الأسفلت.


⬆️