بين التنوير والاستثمار يا قلبي لا تحزن

17/7/2018 | جرنال

أصدرت الدكتورة إيناس عبد الدايم، وزير الثقافة، القرار الوزارى رقم 393 لسنة 2018 بإصدار لائحة النظام الأساسى للشركة القابضة للاستثمار فى المجالات الثقافية والسينمائية“…
مر الخبر في صمت مطبق. حتى داخل الوسط الثقافي المشغول بإعادة تخطيط موقعه من السلطة السياسية منذ ثورة ينايرخمسة وزراء خلال سنتين بين 2011 و2012، فضلا عن مئات الائتلافات وآلاف المقالات المتعلقة بالسياسة الثقافيةمر وكأنه نعي شخص مجهول في صفحة الوفيات.
غريب! لأن تدشين شركة هادفة للربح من داخل المؤسسة الثقافية هو حدث إن لم يكن تاريخيا فهو على الأقل غير مسبوق: منذ سنة 1958، حين أُلحقت كلمةالثقافةباسموزارة الإرشاد القوميفي جمهورية عمرها خمس سنوات، لم يحدث أن اتُخذت خطوة صريحة تجاه تحرير العمل الثقافي في مصر من قيود الهيكل البيروقراطي للدولة بأضلعه الدينية والأمنية والعسكرية.
***
حتى حين فرض السادات النسق الرأسمالي كيفما اتفق في أعقابالثورة التصحيحيةعلى القيادات الموالية لعبد الناصر سنة 1971، لم تقترح أي جهة رسمية أو غير رسمية تحرير ذلك الكيان من وصاية الدولة ولو عن طريق تحويله إلى مشروع ربحي في السياقالانفتاحيالجديد.
وعلى الرغم من مبادرات رأسمالية مربحة لـ“ألاضيشمبارك وإن كانت ثقيلة على موازنة الدولة خلال ربع قرن هو عمر ولايةالوزير الفنانالذي شغل المنصب منذ 1987، فاروق حسني، ظلت وزارة الثقاقة تتحصن داخل أسوارها الرسمية متراجعة أمام هجمات الإسلاميينالأخلاقيةعليها دوريا في القضاء والبرلمان، وخلاف طباعة وتوفير الكتب بأسعار زهيدة وبعض العروض الموسيقية في القاهرة والإسكندرية لا تقدم للمجتمع الواسع أي أمارة على أنها تستحق تكلفتها الباهظة.
الآن فقط، في يونيو 2018، هل طرأ شيء على السكون المحيط بتلك الحالة؟ هل تعترف المؤسسة باحتضارها في عمر الستين؟ هل تسلّم بالحاجة إلى أكسجين السوق أخيرا؟
***
يتزامن الخبر، للمفارقة، مع الذكرى الثمانين لصدور كتابمستقبل الثقافة في مصرلطه حسين (دار المعارف، 1938)، أحد أشد النصوص راديكالية في التأسيس لهوية تنويرية بالمعنى التاريخي للتنوير (صعود التيار العقلاني في أوروبا القرن الثامن عشر، وما ترتب عليه من قيم علمانية وتقدمية):
من المُحقق أن تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساسا للوحدة السياسية، ولا قواما لتكوين الدول”.
يقول طه حسين أيضا بالجذور اليونانية-المصرية القديمة لما يمكن أن نسميه الآن الحضارة المعاصرة — ”الغربية“ — والتي على المصريين من ثَم أن يكونوا جزءً غير مدروز منها مهما اعتادوا الاغتراب: ”ينظر المصريون إلى أنفسهم على أنهم من أهل الشرقبسبب اللغة والدين، والمشاركة في هموم الاحتلال والتخلفولكن تاريخ مصر يقول عكس ذلك“.
وعلى طرفي نقيض من الطرح ما بعد الكولونيالي القائم على المظلومية والدونية، يطالبكل مصريألا نلقى الأوروبي فنشعر أن بيننا وبينه من الفروق ما يبيح له الاستعلاء علينا والاستخفاف بنا، وما يضطرنا إلى أن نزدري أنفسنا”. 
***
إنه طموح لم تخذله الدولة وحدها وإنما خذله معها القطاع الأكبر من المثقفين بعد صعود نجم عبد الناصر سنة 1956.
فبصرف النظر عن التقصير في العناية بالثقافة والعلوم الذي يقول طه حسين إنه أفقد مصر حريتها، ظل المحرك منذ حرب السويس وحتى الحملة الانتخابية لحمدين صباحي سنة 2012 هو إحدى فكرتينفتش الوحدة العربية، وهوس الأصولية الإسلاميةكلتاهما تأكيد للفروق التي تبيح للأوروبي الاستعلاء وتعبير عن ازدراء النفس في مواجهته.
التوجه الناصري نفسه كان بالغالشرقية“ (ولعله، كما تجلى لدى خَلَفه المباشر، كان أيضا إسلاميا على طريقته)، لكن جنايته على المستقبل في الثقافة كما في روافد أخرى للحياة تديرها الدولة كان مصادرة كل نشاط مشروع أو إبداع محتمل داخل كيان مركزي واحد محكوم بالولاء والشعار لا الكفاءة والقيمة.
تلك المصادرة أدتفضلا عن الأمراض البيروقراطية المعهودة من بطالة مقنّعة وفساد إداري وهدر خرافي للمواردإلى انعزال المؤسسة الثقافية عنالجماهيرالتي تأسست لخدمتهم وابتعاد خطابها التجميلي الدعائي عن واقع حياتهم وجهودهم لتحسينها.
بات المجتمع المدني الملاحَق أمنيا وأيديولوجيا هو المورد الثقافي المعتمد عليه، فيما تحولت قصور الثقافة إلى بيوت أشباح وحظائر مواش غير مرخصة.
***
فيض مقترحات تدفَّق خلال ثماني سنوات منذ سقوط مبارك في فبراير 2011 بتطوير أو تكهين الوزارة، تتخلله تصريحات أستاذ الأدب العربي الذي حل محل الوزير الفنان لتسعة أيام قبيل السقوط وكأنها علامات ترقيم، جابر عصفور: ”لدينا خطط تلبّي احتياجات كل المثقفين“ (2011)؛ ”لأول مرة ستتحول بعض قطاعات الوزارة لقطاعات منتجة“ (2014)؛ ”لابد من تسليح وزارة الثقافة كما يتم تسليح القوات المسلحة” (2017)…
عصفور الذي قبل المنصب في آخر حكومات مبارك ثم عاد فتولاه في أولى حكومات السيسي هو أحد الأسباب الرئيسية وراء تحول كلمةتنويريإلى مسبة لدى جيل كامل من المهتمين بالشأن العام في مصر.
الناقد والمعلم الذي اشتهر بمعاداةالفكر الظلاميمن داخل أروقة المؤسسة فأصبح الوجه العلماني لسلطة سياسية لم تحسم أمرها من الدين هو المثال الأوضح على تعامل أساطين الثقافة الرسمية مع أفق التحول التاريخي.
لكن طوال ثماني سنوات توالت فيها تصريحات عصفور من على الكرسي ومن ورائههذا المهملم يحدث لا إلغاء ولاإعادة هيكلةجدية للوزارة، دعك من أي تحرك تجاه إدخال القطاع الخاص في اقتصادياتها.
***
ولعل ما يبرر الصمت حيال إنشاء شركة قابضة للاستثمار فى الثقافة هو أن شيئا لن يحدث عمليا على الأرجح. كل ما في الأمر مبادرة إنتاج سينمائي مثواها الأدراج، مثلها مثل أكثر من مشروع ثقافي كبير وقّعت الحكومة على بروتوكولات تعاون مع الإمارات والصين لإنجازه منذ 2014.
غير أن خصخصة الثقافة وإن لم تحدث (بعد) تظل مناسَبة لطرح أسئلة ضاغطة.
ما يدفع إلى القول بضرورة إلغاء الوزارة، أساسا، هوكما عبر عنه أسامة فاروق كاتبأخبار الأدبفي موقعالمدنصيف 2017 — ”ميراث طويل من التوجيه، ثم الاستقطاب، وجمع المثقفين في حظيرة الوزارة، لغض الطرف عن الفشل المزري“.
لكن بصعود إعلام خاص أحرص على السلطة القائمة من أبواق تلك السلطة نفسها، ثبت أن التوجيه والاستقطاب لا يقتضيان البقاء في كنف الدولة.
كذلك المثقفون كما يثبت بمراجعة تصرفاتهمعصفور نموذجاليسوا قديسين منزهين عن المصالح والمواءمات. النفور الأخلاقي من موالاتهم المجانية للسلطة أو دفاعهم عن جرائمها (ربما درءً لما يظنونه سلطة أخطر على الثقافة متمثلة في أشخاصهم) قد لا يكون سببا كافيا لإزالة الآلية المفترض أن يقوموا عبرها بدور الوساطة بين المجتمع والسلطة.
***
لكن دعك من المنع والمصادرة وسجن الأدباء وإغلاق المحافل. في ضوء طرد ضيوف مهرجان سينمائي دولي من الفندق المقرر إقامتهم فيه لأن المهرجان لم يسدد تكلفة غرفهمحدث بالفعل، في شرم الشيخ! — هل يتركالفشل المزريللمثقفين مجالا للقيام بأي دور؟
يكفي النظر إلى مظاهر التدين داخل معرض كتاب القاهرة لإدراك أن المؤسسة الثقافية خسرت معركتها ضد الأصولية الدينية بالفعل.
السؤال الأوقع، وهو سؤال ينطبق على اتحاد الإذاعة والتلفزيون ومؤسسات الصحافةالقوميةوعدد كبير من الكيانات الحكومية فضلا عن وزارة الثقافة، ليس سؤالا عن جدوى الحفاظ على المؤسسة الثقافية ولا فلسفة إدارتها.
السؤال الأوقع هو كيف يتم تحويل دينصورات خاملة نخرها المرض وتعطنت أعضاؤها إلى مخلوقات حية ونظيفة، قادرة على الإنتاج. فقبل أن نفرط فيممتلكات الشعبالتي لازال الخطاباليسارييتمسك بها على حالها، هذه هي الحقيقة، لابد من إصلاح شامل وجذري يجعلها قابلة للبيع.
خصخصة الثقافة تقتضي تسريح آلاف ومواجهة مئات بهزيمتهم. والسؤال الأوقع ليس سوى سؤال مَن، ومتى. إنه سؤال عملي، تقني، مباشر. تتطلب إجابته صراحة وشجاعة لا أظنهما حاضرين في المستقبل المنظور، خاصة وأنهما سيكونان بلا جدوى إذا لم يتبعهما حسم في صياغة وتنفيذ إجراءات أصعب وأخطر كثيرا من إصدار القرار الوزاري.
(النص الأصلي لمقال العربي الجديد)


⬆️