العربي الجديد: عودة الهولندي الأحمر

7/8/2018 | جرنال

مع الذكرى الثامنة والعشرين بعد المئة على وفاة فنسنت فان غوخ في 29 يوليو 1890، يكون قد مر أكثر من ستة أشهر على صدور كتاب المُخلِص دوما، فنسنت… الجواهر من رسائل فان غوخ تحرير ياسر عبد اللطيف (الكتبخان، ديسمبر 2017). وقد تزامن صدور الكتاب مع العرض القاهري الأول، عبر سينما زاوية، للفيلم الإنكليزي/البولندي المحب فنسنت (إنتاج 2017، إخراج دوروتا كوبيلا وهيو ويلتشمان). ربما لذلك يملأ اسم فان غوخ وصوره الصحف المصرية على نطاق غير مسبوق هذه الأيام، الأمر الذي يُشعِر بعضَنا بما يشبه انفضاح السر، وكأن شيئا خاصا وخفيا ينكشف فجأة للعيان.
قبل نحو خمسة وعشرين عاما من صدور ذلك الكتاب، كنت طالب آداب مستوحش في أصقاع الشمال الإنكليزي. غادرت بيت أهلي ساخطا في السابعة عشر. ومثلأشهر فنان في العالم“، قصدت إلى بلاد الناس أبحث عن معنى الحياة. إلى هنالك هدمت الجسور وخسرت السكينة. صرت هائما على وجهي مغضوبا علي. لكن العالم الواسع الذي اقترفت ذلك من أجله بدا أضيق من خرم إبرة، تماما كما بدا لابن القس البروتستانتي طريد العائلة سنة 1874. في النهارات الخاطفة المسحوبة منها الشمس، وسط بيض البشرة ذوي العاطفة المبسورة، غلبتني حسرة لم أجد من يعبّر عنها خيرا من فنسنت فان غوخ.
هكذا لم أكن التقيت ياسر عبد اللطيف حين بدأت أنسج من شذراتي قصصا، كما نصحني أن أفعل صديقنا المشترك ومعلمي الأول علاء الديب، وصدّرتُ إحدى أولى هذه القصص بترجمة حرة لعبارة كتبها فنسنت في رسالة إلى أخيه تيو: ”ونحن الراغبون في الحياة إلى هذا الحد، لماذا لا يمكننا أن نعيش أكثر؟في الخيال البسيط، جعلت نفسي رساما تطاردهخيالات فان غوخ“. استدعيت مشاهد من حياته إلى قاهرة التسعينات حيث يعيش الرسام. وعنونت أطول القصص وأبدعها، التي أهديتها إلىالأستاذ علاء“، أزهار الشمس.
كنت شغوفا ليس بلوحات عباد الشمس الشهيرة ولكن بضربات اللون السميكة التي تُذكّر، في الآن ذاته، بالحركة في الصورة الفوتوغرافية الثابتة والزخرفة في الفنون الشرقية. كأن الفرشاة متصلة بالأعصاب العارية مباشرة، لا حاجة لها بيد أو عينين. فلوحة مثلحقل القمح مع الغربان” (يوليو 1890)، آخر أعمال فان غوخ، لا تنطوي على منظر طبيعي بقدر ما تنطوي على وعي إنسان يطالع ذلك المنظر، وهذا الإنسان غير مستعد لأي تنازل أو تهاون في نقل ما يراه كما يراه. كأنه يصوّر جانبا من محتوى دماغه.
غير أن ما جعل فان غوخ رفيقي الملازم في تلك الفترة المبكرة لم يكن فنه الذي لم أر منه لوحة أصلية واحدة. إنه صوته الذي سمعته في رسائله إلى أخيه. ولا أذكر متى بالضبط حصلتُ على مختارات رونالد دي لييو التي ترجمها أرنولد بوميرانس عن طبعة متحف فان غوخ لعام 1996، بينما يتم تجميع وتحقيق الرسائل الكاملة التي ستظهر مع سكتشات أصلية وصور للمخطوطات المصحوبة برسوم في ثلاثة مجلدات ضخمة سنة 2000، ثم مع المزيد من التنقيح في ستة مجلدات سنة 2009. أتذكر الكتاب الصغير ذا الغلاف الورقي الأبيض يتوسطهبورتريه ساعي البريد جوزيف رولان“ (1888). أتذكر وجه محرره الإنكليزي مارك روسكيل يشغل صفحة كاملة بالأبيض والأسود. قبل أن أُتم العشرين، بدت لي ملامح روسكيل البارزة دليلا إضافيا على مأزق الوجود.
الآن هناك نسخة عربية لـ“الرسائل الضرورية“ (متحف فان غوخ، 2014) وهي الإصدار المختصر للرسائل الكاملة، تتضمن 265 من أصل 903 رسالة. أعدها محررو الرسائل ليو يانسن وهانز لويتن ونيينكه باكر ثم ترجمها عن الإنكليزية ياسر عبد اللطيف ومحمد مجدي (هيرمس) لتنشرها كرم يوسف صاحبة مكتبة ودار كتبخان. حين رأيت المجلد للمرة الأولى أعجبتني جودة الطباعة وفصل الألوان بالفعل. لكن ما لفتني هو أن العمل مهدى إلى روح اثنين أحدهما علاء الديب.
حتى بسذاجة وانبهار المراهقة، كنت أدركت المفارقة التي جعلت من العوز والتعاسة إحدى أكثرالماركاتالبصرية رواجا، فحولت تجربة وجودية مضادة للمجتمع أولا إلى سلع باذخة بالمليارات ثم إلى مادة استهلاكية آمنة وواسعة الانتشار. وهو ما رجع إلى ذهني حين شاهدتالمحب فنسنت“. فقد بدا غريبا أن تمرمعجزة التحريكالمكونة من 65 ألف لوحة زيتية أنجزها 125 فنان على مدى سبع سنين بلا التفات كبير رغم تشبع المخيلة البصرية المصرية بأيقونات العصر الحديث الخارجة من أعماله.
لكن يبدو أن هذا التشبع لم يطفُ إلى سطح المجتمع إلا تدريجيا بعد توفر نصوص الرسائل. فالفيلم رغم فرادته و“تجاريتهالعامدة إلى الإثارة لم يظفر بإقبال الموزعين في السوق المصرية وكانت عروضه قصيرة و“فنية“. ومع أن الأسواق الغربية جعلت منهقنبلةربحية لا بأس بها، لا يبدو في تحريك لوحات فان غوخ رغم صعوبته وتكلفته ورغم نجاحه التقني هنا إلا امتدادا لطباعتها على السلع واستلهامها في التصاميم. صحيح أن في اللوحات عالما ثريا يشي بأعماق وأبعاد، لكن هذه المساحات لا تبدو درامية بالمعنى المباشر وإن كانت فمن غير المجدي توظيفها لاختزال سيرة حياة فان غوخ في لغز بوليسي يشكك في انتحاره.
في الرسائل، على النقيض، شحنة قوية من دراما حياةالهولندي الأحمركما أسماه ياسر عبد اللطيف ذات شطحة عبقرية قبل سنين من ترجمة الرسائل. وهي قوة أدبية يشهد الفيلم رغم جماله البصري على لا جدوىمسرحتهاعبر اللوحات. ربما لذلك حضر فان غوخ بالأكثر لقوة كتابته، بالذات في نص شاعرين أحدهما محرر له شعبية كبيرة في الأوساط الثقافية. لكن قد يكون هناك سبب تافه لكثرة الكلام عن الكتاب في مقابل الكلام عن الفيلم، وإن عكس اهتمام المتكلمين برسائل فان غوخ الأصلية في مقابل لوحاته المحرّكة.
لقد عُرض الكتاب للبيع بـ 1200 جنيه مصري (ما يعادل 67 دولارا أمريكيا، في حين أن سعر النسخة الإنكليزية 45 دولارا)، ولم يكف السجال حول خرافية هذا المبلغ بالنسبة إلى الغالبية العظمى من قرائه المرجحين. لكن هؤلاء القراء نادرا ما يشترون كتبا على أي حال، حيث يلجأون إلى نسخبي دي إفمقرصنة عادة ما تتوفر على الإنترنت. والواقع أنالمخلص دومامتوفر للتحميل مجانا عمليا منذ صدوره، الأمر الذي ما كان فان غوخ نفسه ليعترض عليه على الإطلاق.


⬆️