الزمن والجحيم: شهادة جريدة القبس

19/6/2018 | جرنال

لم يكن الاقتراب من القاهرة سرديا مسألة سهلة. ظننت لسنوات أنني سأكتفي بالكتابة عن مدن أخرى وإن شدني الخيال فبعيدا عن كوكب الأرض. في البداية لم يشدني. ظللت أتجول لأكتب. وحتى الآن وأنا بعيد أكون أكثر استعدادا للاستمتاع والتواصل.
كما في الحياة، ربما، كذلك في الكتابة.
لعلها الذكريات الصعبة. فالمدينة التي أصبحت نفسك فيها تخزن لك الذكريات. وخلال فترة أقصر مما تتصور تمتلئ الدنيا أشباحا وتصبح الحركة، أي حركة ملبدة. مع كل التواءة في الطريق، خلف كل باب تمر أمامه وتحت كل رصيف تخطو فوقه يتربص لك موتى ومجانين وحزانى قد ينقضون عليك في أي لحظة.
هناك جلسة أو مشاجرة تربطك بكل وجه ساهم في وسط البلد والزمالك، ولكن مساحة التقاطع لا تقتصر على الحدث أو الكلام. كل جلسة أو مشاجرة مشرط قطع لحمك وشاكوش كسر عظمك وفارة صنفرت جلدك حتى تكون الشخص الذي أصبحته. ومجرد تذكرها يفوق الاحتمال.
ولكن ربما لا علاقة لذلك بالقاهرة على وجه الخصوص. فقط كان سببا في بداية السفر دوريا بعد الهروب الأول، الكبير. ولكنني في الحالتين وكما اكتشفت لاحقا لم أكن أغادر القاهرة إلا لأنظر إليها من بعيد. ليس لي معنى بدونها، أو لعملي على الأقل.
***
كنت وحيدا والغريب أنني ما زلت. فبغض النظر عن كل ما قيل عن اغتراب الإنسان الحديث ثم تعدد وخواء هوية الفرد تحت سطوة الاستهلاك، يبدو لي الآن أن هناك عزلة فريدة في القاهرة. عزلة تدعمها صحبة دائمة ويحوطها ضجيج، لا تَنتج عن غياب الآخرين بقدر ما تخرج من استحالة أن يكون لحضورهم معنى. عزلة مَن حُكم بالوجود وسط جماعة بشر لا ليكون معهم بأي معنى ولكن ليفيدهم غصبا أو يستفيد منهم، يملي عليهم نظرة مستوردة إن لم يكن عبر الفضاء فعبر الزمن، ويشاركهم تمثيل مسرحيات سخيفة هي كل ما تفضي إليه واجهات إنسانية تلمع بكلوبات المروءة والأصالة وخفة الدم وسوى ذلك من رؤوس أقلام ربما تتميز عن مثيلاتها في مدن أخرى.
أنت تسافر وتعود وتهرب حتى تضيع في السكك بل وتكتب أصلا من أجل أن تتجاوز هذه العزلة، ولكن لا فائدة.
لذلك فيما أعتقد جاءت كتابة القاهرة روائية. فيوم صارحت نفسي بضرورة أن أسكن مدينتي في الكتابة — لن تعتريني إلا لاحقا جدا طموحات أو ادعاءات من قبيل دابلن جويس ولشبونة بيساوا أو اسطنبول باموك — بات المجاز هو السند الوحيد المحتمل. وبدأت أنقّب في التاريخ والجغرافيا، ذاتهما اللذين تُستَورد منهما تلك التفسيرات المجردة، غير المسؤولة لرداءة واقعنا حتى أجد رمزا أو صورة.
كان لا بد من رسم خريطة تعرّفني طريقي في المدينة أو إليها. وكان لا بد لهذه الخريطة أن تكون ذاتية تماما.
هكذا في دفاتر بطل أولى رواياتي، صارت طغراء آخر سلطان عثماني مطابقة لتلك الخريطة. بلا قصد منه، الخطوط والدوائر التي يسجل بها مساراته في المدينة ترسم نقوش الخلافة الإسلامية في صحوتها الحداثية المرتقبة بعد فوات الأوان، ولكن ماذا يفعل الإنسان بعد أن يصوغ كل ما يعرفه أو يظن أنه يعرفه في سرد خيالي بهذه الطريقة؟
أنت كتبت كتابا يطرح أكثر الأسئلة إلحاحا — سؤال الهوية — بذلت فيه ما تملك من صنعة، وراكمت من خلاله معارف لغوية وتاريخية وشخصية وجغرافية فضلا عن الأدبية. لقد شعرت أنك تُنتج مرادفا معاصرا لخطط المدينة، أكملته وأصدرته لدى أكبر ناشري القاهرة فعلا ولم ينطق أحد. فماذا تفعل بعد ذلك؟
تنتظر الثورة طبعا!
***
تدعو القاهرة إلى الغيظ والفزع وربما الذهول، ولكنني أريد أن أتكلم عن الحزن.
لا أريد أن أستحضر حزنا موروثا — جاهزا وزائفا — أو ألفّق حزنا شخصيا لموضوع عام. أريد أن أتكلم عن الحزن الذي يأتي عقب التماهي مع البذاءة واعتياد الإهانة، حتى الحصول على سلّمة تحتمي بالوقوف عليها في الهرم الاجتماعي وتستمرئ استغلالها في القبول بقدر الرداءة، مبالغا في حب الذات الفردية وكارها الذات الجماعية في الوقت نفسه، الحزن الذي تنتهي إليه بعد أن تتبين ما يمكن أن تتوقعه من ناس نادرا ما تكون عندهم أي قناعة حرة أو أي قناعة خلاف المتفق على التظاهر به في لحظة معينة من أجل تسيير الأمور. الرياء والتملق! وكل رمز أو صورة محتملة تتحول إلى شعار فائدته الوحيدة أن يمارس العنف والتكميم أو يبررهما. مجرد شعار.
ثم تدرك أنك فعلا لا تريد أن تعيش هكذا.
لا تريد أن تزاحم من تدعي أنك حريص عليهم، مستميتا على مصالحك الفردية، الآنية لدرجة اغتيال كل مصلحة جماعية أو طويلة المدى. لا تريد أن تتجسس على رفاق دربك لتبتزهم أو تبيع أسرارهم، ولا تريد أن تشتغل لدى الأمن ولو عن طريق غير مباشر بدعوى الطموح أو الولاء. لا تريد أن تقترب من أحد حتى يأمن لك فتجرّسه على «التواصل الاجتماعي»، متغنيا بفضيلة يفترض أن تختلف عن الفضيلة التي يتاجر فيها المجتمع الواسع. لا تريد أن تتنفس كذبا. ولا تريد أن تتسول ما تستحقه لتحصل على ما لا تستحق.
***
حين تقود سيارة في القاهرة، تشعر أنك في سباق مشلولين بلا نقطة نهاية؛ الغاية الوحيدة من المنافسة هي إثبات أنك فاقد الوعي بالغير ونافد الصبر على مصلحتك لدرجة أنك — مقابل لفة واحدة للعجلة — مستعد أن تفعل أي شيء.
بمرور السنين يبعث التواؤم مع كل ذلك حتى تحييده حزنا عميقا ودائما أشبه بمرض غير قاتل ولكن ليس له علاج.
لقد بدا التظاهر طريقا ضيقا إلى شفاء محتمل من هذا المرض ذات لحظة، وبدا ميدان التحرير في صورة جسد الشهيد طوطما يعطي المدينة معنى. لكن الصورة تحولت بسرعة مخيفة. تبين أن الطوطم مجرد كلوب آخر — اسمه الثورية أو الطهارة أو الصواب — لا يفضي إلا إلى الخواء والظلام ذاته. وارتد حلمي الذاتي بحداثة عثمانية كونية كابوسا إسلاميا ريفيا كاد ينهي الحياة كما أعرفها.
هكذا تحول ميدان التحرير إلى شعار آخر لا مناص من سجن من يرددونه إذا زاد حماسهم بما يوحي أنهم صدقوا كذبتهم. وهم يعاقبون على تصديقها ليس لأنها كذبة ولكن لأنها تناقض الكذبة المعتمدة: حائط الصد الواهي ضد الحرب الأهلية. ومن سوى مجرم حقيقي يجرؤ على قول «وبعدي الطوفان»؟
أصبحت القاهرة بعد ذلك زمنا. أقصد أنني صرت أكتب عن مساحة زمنية أو تاريخ معاش وليس عن مكان أو مساحة للحركة. صرت أكتب عن الزمن مرة من مكان الشاعر وأخرى مكان القاتل وثالثة ما زلت لا أعرف من أين. أبحث ليس عن رمز أو خريطة للمدينة ولكن عن إيقاع أو صوت يميزها عن سواها ويحدد لها مكانا في محيطها. الهوية كالزئبق متى أمسكت بها سممتك، هكذا كتبت ذات يوم. المرض والسؤال. حقا من يجرؤ على قول «وبعدي الطوفان»؟
***
الحقيقة أن كتابي الذي اتخذ من القاهرة موضوعا مباشرا لم يصدر إلا بعد الثورة بالفعل. أنا لم أنتظر شيئا، ولا عرفت أبدا إجابة السؤال: وماذا بعد؟ لكنني أريد أن أتكلم عن الحزن. هناك حزن يصيبك حين تدرك أنه لا جدوى من انتظار الثورة، لا جدوى من انتظارها أبداً.
هذا هو حزن القاهرة.


⬆️